تونس | لا أحد يرغب في أن يكون مكان رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد. وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية والمطالب تتصاعد، فيما تُظهر تسريبات من جلسة لمجلس الوزراء، الثلاثاء الماضي، أن يوسف الشاهد هدّد بالاستقالة من منصبه (عاد ونفى مساء أول من أمس صحة التسريب).


الرجل الذي وُعد بدعم سياسي واسع فور تسلمه رئاسة الحكومة، وجد نفسه وحيداً في مواجهة مطالبات شعبية لا تنتهي. وحالياً، تجتاح عدداً من المحافظات موجة احتجاجات للمطالبة بالوظائف وبالتنمية وبتوفير مقومات الحياة، كذلك نُفّذت إضرابات عامة في عدد من المدن، وأغلقت طرق وأحرقت إطارات سيارات.
يحاول رئيس الوزراء الأربعيني وفريقه امتصاص الغضب الشعبي الذي انطلقت شرارته من على بعد حوالى 500 كلم عن العاصمة، حيث محافظة تطاوين التي اندلعت فيها الاحتجاجات منذ ثلاثة أسابيع. كذلك شهدت تطاوين إضرابا تاماً في الرابع عشر من الشهر الجاري؛ فالمدينة تتصدر قائمة المحافظات من حيث نسبة البطالة التي تبلغ فيها حوالى 32 في المئة، في حين يناهز المعدل العام للبطالة في البلاد 15.5 في المئة، بحسب إحصاءات رسمية صدرت في 2016.
ولم تكن زيارة وفد وزاري إلى المحافظة مطلع الشهر الجاري، ثم إعلان الشاهد عن بعض الإجراءات لمعالجة مشكلة البطالة فيها، كفيلين بتخفيف حدّة التوتر، بل رأى فيها الشباب الغاضبون مجرّد قرارات «تخديرية»، علماً بأنهم توافقوا في نهاية الأسبوع، مع وزير التشغيل الذي أرسله الشاهد للاجتماع بهم مجدداً، على إمهال الحكومة أسبوعاً واحداً لتحويل الوعود الى إجراءات عملية.
في يوم الإضراب الشامل في تطاوين، وعلى بعد 160 كلم عن العاصمة، شهدت محافظة القيروان مظاهرات أشعلت فيها إطارات السيارات، كذلك حاول محتجون اقتحام مقر المحافظة. وفيما أُعلِن أمس أنه سينفذ، بعد أربعة أيام، «تجمع احتجاجي سلمي» في القيروان، فإنّ كل ذلك يتواصل في وقت تقف فيه الحكومة عاجزة على الصعيد الإنمائي، في ظل اختلال التوازنات المالية للبلاد طوال السنوات التي تلت سقوط نظام بن علي.
وينتظر الحكومة في العشرين من الشهر الجاري تصعيد آخر، إذ تقرر في محافظة الكاف، في الشمال الغربي للبلاد، تنفيذ إضراب عام، بسبب قرار صاحب مصنع ضخم تحويل مقر المصنع إلى محافظة أخرى (هي نابل الساحليّة)، ما يعني أن آلاف العمال وعائلاتهم سوف يعانون من البطالة، الأمر الذي دفعهم إلى الاحتجاج منذ نحو أسبوع.
المراحل التي مرت بها مطالب التونسيين، بعد هرب زين العابدين إلى السعودية، كانت تصبّ أساساً في الجانب السياسي (حريات) على حساب الجانب التنموي والاقتصادي، وارتبط ذلك خاصة بتنظيم انتخابات وصياغة دستور صاحبه جدل عميق. وهنا أُهمِلت التنمية، ليدفع اليوم الشاهد ضريبة الإهمال وإطلاق الحكومات المتعاقبة بعد الثورة وعوداً للشباب بحل مشكلة البطالة من دون تنفيذها.
وكردّ فعل، أجرى الشاهد، مساء أول من أمس، حواراً متلفزاً، علّق خلاله على الاحتجاجات المطالبة بـ«التشغيل والتنمية»، بالقول إنها حصلت لأن المطالب الأساسية للثورة بعد ستّ سنوات لم ترتق إلى طموح الشعب التونسي، وكانت دون المأمول. وقال إنّ «الحكومات المتعاقبة أعطت وعوداً غير جدية وغير مسؤولة، وهو ما خلق أزمة ثقة مع الشباب المحتج، الذي يطالب بتفعيل القرارات القديمة التي لم تفعّل لسنوات».
وبصورة عامة، فقد بلغ عدد الاحتجاجات في تونس، طوال الشهر الماضي، 1089 تحركاً، هيمنت عليها مطالب «التشغيل والتنمية»، بحسب تقرير إحصائي أصدره «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية».
وأعلنت غالبية الأحزاب التونسية، حتى المشاركة منها في حكومة الشاهد، أن هذه المطالب «شرعية» ويجب على الحكومة الاستجابة لها. لكن الحكومة تقرّ بعجزها عن تلبية كل تلك المطالب في الوقت الحالي، وتقول إنه ليس بيدها سوى انتظار التعهدات التي تلقتها في مؤتمر الاستثمار «تونس 2020» الذي عُقد نهاية العام الماضي، والبالغة 7 مليارات دولار.
وتنتظر تونس صرف «صندوق النقد الدولي» القسط الثاني من القرض الذي وافق في وقت سابق على منحه لها، فيما أعلن الشاهد في حواره، مساء أول من أمس، إن حكومته تقدمت في تنفيذ «الإصلاحات» التي طالب بها صندوق النقد الدولي، واستأنفت التفاوض معه بعدما كان معطّلاً منذ قرابة عام. ومساء أمس، أعلن رئيس بعثة «الصندوق» بيورن روتر، من قصر الحكومة التونسية، أن «وفد الصندوق قد استكمل مشاوراته مع الحكومة التونسية حول المراجعة في إطار برنامج الاصلاح الاقتصادي الذي يدعمه... وهي مرحلة تسبق صرف القسط الثاني من القرض لفائدة تونس». وأعرب، في تصريح إثر لقائه الشاهد، عن اعتقاده بأنّ «الحكومة التونسية في الطريق الصحيح، وهي تمثل بالنسبة لنا افضلية لنكون شريكاً قويا لتونس»، وذلك في وقت أوضح مصدر من رئاسة الحكومة أنّ «الاتفاق يُعتبر مرحلة تمهيدية قبل مصادقة مجلس ادارة الصندوق على الافراج على القسط من القرض المقدّر ب 325 مليون دولار في أواخر أيار/ماي او بداية حزيران/جوان 2017».
وحزمة «الإصلاحات» التي يطالب بها صندوق النقد الدولي تهم بالخصوص القطاع المصرفي والمالي ومسائل أخرى، من قبيل التخفيض في عدد الموظفين العموميين وبيع المؤسسات العمومية التي تمثل «عبئاً على الدولة»، في تقدير المؤسسة المانحة.

الطلاب والتجار... حاضرون


بلغ عدد الاحتجاجات في البلاد طوال الشهر الماضي وحده 1089
لا يبدو أن الاحتجاجات يحتكرها الشباب العاطل من العمل في الجهات، فالطلاب قرروا المشاركة فيها، وأعلنوا يوم الجمعة الماضي «يوم غضب طلابي وإضراب في الجامعات التونسية»، أشرف عليه «الاتحاد العام لطلبة تونس»، وذلك على خلفيّة التعاطي الأمني العنيف مع طلاب كلية الحقوق خلال وقفة احتجاجية نفذوها يوم الثلاثاء الماضي أمام مقرّ رئاسة الحكومة في العاصمة، للمطالبة بإشراكهم في اتخاذ القرارات التي تخصّ الجامعة وإصلاح التعليم العالي.
وحتى تجار الملابس الجاهزة والاقمشة كان لهم نصيبهم من الاحتجاجات؛ فيوم أمس، أوقفوا عمليات البيع دون تحديد سقف زمني للأمر، وذلك احتجاجاً على تصاعد «ظاهرة التهريب والوقوف العشوائي أمام محالهم» في وسط العاصمة تونس والمدن الكبرى. وهم يرون أنهم يدفعون ضرائب لدولة لا تستطيع حمايتهم من منافسة بضائع أقل سعراً باعتبارها مهرّبة، فيما لا يدفع بائعوها أي ضرائب للدولة.
وسط هذا المشهد أيضاً، يقف يوسف الشاهد حائراً أمام ما صار يُعرف بأزمة «نقابات التعليم ووزير التربية»؛ فالنقابات التابعة لـ«اتحاد الشغل» (نقابات قوية في البلاد) تطالب منذ أشهر بإقالة وزير التربية ناجي جلول، فيما تتخذ الضغوط التي تمارسها النقابات لتحقيق مطلبها منحى تصاعدياً، وذلك بدءاً من تنفيذ آلاف المدرسين وقفات احتجاجية أمام رئاسة الحكومة وصولاً إلى إضربات متتالية تتوقف خلالها الدروس في المدارس الإعدادية والثانوية في كامل البلاد. وهم حالياً يقاطعون وزير التربية ولا يمتثلون للقرارات الصادرة عنه.