اختار رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، الدفاع عن خياراته العسكرية في مواجهة قطاع غزة، في خلال عدوان «الجرف الصامد» عام 2014، عبر التشديد على استبعاد وجود بدائل سياسية كان يمكن أن تحول دون نشوب المواجهة مع القطاع، وعدم وجود استراتيجية بديلة تعالج مرحلة ما بعد احتلال القطاع. ما بين هذين الحدين، يُصبح مفهوماً ــ بنظره ــ انتهاج خيار العدوان بالمواصفات التي اتسم بها، أي من دون السعي إلى إعادة احتلال القطاع أو الحسم العسكري مع فصائله.


التبرير الأكثر رواجاً على ألسنة المسؤولين الإسرائيليين لأي مواجهة عسكرية غير ناجعة، أو تكبدت فيها إسرائيل خسائر مؤلمة، هو الزعم بأنه لم يكن هناك خيار بديل. وهكذا يضمن صانع القرار السياسي والأمني موقفاً شعبياً مؤيداً لخياراته. وفي هذا الإطار، المفهوم الذي استند إليه نتنياهو لتبرير عدم وجود خيار بديل سياسي يحول دون المواجهة العسكرية، في خلال الاجتماع الذي عقدته لجنة رقابة الدولة في الكنيست وخُصّص للتداول في تقرير مراقب الدولة بشأن عملية «الجرف الصامد» العسكرية، هو القول إنّه لا يمكن التوصل إلى حل سياسي مع حركة «حماس»، ما دامت ترفع شعار القضاء على إسرائيل. وأدرج أي تصوّر من هذا القبيل في خانة «الهذيان».


إسرائيل غير قادرة
على خوض الحرب ضد أكثر من ساحة


الاستبعاد نفسه، شمل أيضاً، بديلاً نظرياً آخر «مثل نزع السلاح»، لكون حركة «حماس» وبقية فصائل المقاومة ترفض مثل هذا الخيار. مع التشديد على أنّ مقولة كهذه بحق أي من حركات المقاومة في فلسطين هي شهادة لمصلحتها، لأنها تنطوي على إقرار من رأس الهرم السياسي في كيان العدو بأنها لا تساوم على حق الشعب الفلسطيني بوطنه.
لكن نتنياهو تجاوز الإشارة إلى «بديل آخر»، هو رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني الذي بحسب شهادته أمام اللجنة كان سبباً لتخطيط «حماس» للعمل ضد إسرائيل من أجل «رفع الحصار البحري المفروض على قطاع غزة، والحصول على ميناء بحري أو مطار جوي...». ويعود ذلك إلى أن هذا الخيار مرفوض من قبل قادة العدو، وتتبناه إسرائيل كأداة ضغط على الشعب الفلسطيني في القطاع لإخضاعه ودفعه إلى التخلي عن خيار المقاومة وقضية فلسطين.
في ضوء هذا التوصيف الذي قدمه نتنياهو لجهة غياب بديل سياسي إزاء غزة، الذي يعني بالضرورة بقاء التهديد، كان من الطبيعي أن يشرح نتنياهو سبب رفضه خيار الحسم العسكري في غزة، باعتباره الحل الجذري الوحيد ــ على المستوى النظري ــ للتخلص من مشكلة القطاع. وهو ما تناوله بالقول إنّ ما حال دون هذا الخيار لا يرتبط فقط بالأثمان التي ستدفعها إسرائيل على مستوى الجنود، وبحسب زعمه بالأثمان التي سيدفعها أيضاً المدنيون الفلسطينيون! وإنما مرتبط أيضاً، بسيناريو ما بعد الاحتلال. وأشار إلى أنه لو احتلت إسرائيل القطاع، فلا يوجد من تسلمه إياه، ولا يوجد من يديره وأن «هذه المعضلة تبقى قائمة».
ينطوي كلام نتنياهو على إقرار بحضور الثمن الذي ستدفعه إسرائيل على مستوى الجنود، ضمن دائرة الحسابات لدراسة خيار إعادة احتلال القطاع. والأمر نفسه ينسحب على مرحلة ما بعد الاحتلال المفترض، لكونه ينطوي أيضاً على إقرار بعدم قدرة إسرائيل على استمرار احتلال القطاع، كما حصل طوال نحو 38 سنة (1967 – 2005) وإن حاول أن يغلفها بعنوان آخر. والمفارقة أنه لم يعتبر السلطة الفلسطينية جهة يمكن أن تشكل بديلاً لحكومة «حماس»، باعتبارها الجهة التي يفترض أن تكون قادرة على إدارة القطاع ما بعد الاحتلال المفترض نظرياً.
ولم يكتفِ نتنياهو بهذه التبريرات، بل ذهب إلى الاستعانة بموقف الرئيس الأميركي آنذاك، باراك أوباما، الذي زعم أنه طلب منه عدم التوغل البري، لكن نتنياهو ردّ عليه بأنه سيبذل قُصارى جهده، لكن إذا تواصل تهديد الأنفاق، فلن يكون هناك مفر إلا بالتوغل البري.
في السياق نفسه، لفت تبرير نتنياهو الإضافي والضمني، بوجود «تهديدات أكثر تحدياً على جبهات أخرى، إيران، حزب الله، سوريا، الإرهاب في الضفة الغربية». لكن ما تجاهله رئيس حكومة العدو، أن إسرائيل نفسها كانت تتباهى بأنها قادرة على خوض أكثر من مواجهة عسكرية على أكثر من جبهة في وقت واحد، وهو ما فعلته في العديد من الحروب السابقة التي خاضتها. فكيف الآن باتت غير قادرة على خوض مثل هذه المواجهة ضد القطاع إلى جانب مواجهة حزب الله وساحات أخرى.
ما بين خيارَي فياب بديل سياسي للمواجهة، وصعوبة احتلال القطاع، يكون نتنياهو قد استكمل التأصيل لخيار المواجهة التي خاضها في عام 2014، والتي هدفت إلى تدمير قدرات فصائل المقاومة وتعزيز الردع ضد القطاع وفصائله. وفي خطوة استباقية على التشكيك بفعالية الردع بدليل استمرار سقوط الصواريخ من فترة إلى أخرى، رأى نتنياهو أن هذا الردع يحتاج دوماً الى تجديد.
في كل الأحوال، يتضح جلياً أن إسرائيل التي سجلت انتصارات مدوية في مواجهة جيوش عربية، في أكثر من مواجهة، هي نفسها التي باتت تتردد كثيراً وتحاول بكل الوسائل تجنب التوغل البري في قطاع غزة الذي تبلغ مساحته نحو 375 كلم، على الأقل لأنها لم تعد قادرة على توفير احتلال آمن ومستقر.