خطوة جديدة وغير مسبوقة قامت بها أنقرة أمس، عبر قصف واحد من أهم المواقع التابعة لـ«وحدات حماية الشعب الكردية»، في جبل قره تشوك جنوب مدينة المالكية في أقصى شمال شرق سوريا، وليس ببعيد عن مثلث الحدود مع تركيا والعراق، بالتوازي مع استهداف أقل وزناً في جبل سنجار على مواقع يفترض أنها لـ«حزب العمال الكردستاني».


العودة التركية إلى المشهد السوري الميداني كانت «جريئة» بعد غياب امتدّ منذ انتهاء عملية «درع الفرات»، وتخللته وعود بعمليات جديدة بين شمال سوريا والعراق. وعلى خلاف الاستهدافات التركية المتكررة والمحدودة لمواقع «الوحدات» الكردية سابقاً، فقد استهدف سرب من الطائرات الحربية بعشرات القذائف، الموقع العسكري الذي يعد إحدى أهم نقاط الاتصالات في الحسكة والشرق السوري، وألحق دماراً بمقر القيادة العامّة لـ«الوحدات» وبمركز الإعلام والإذاعة التابعة لها (إذاعة صوت روج آفا)، إلى جانب تدمير عدد من المقارّ العسكرية ومستودعات الأسلحة والذخيرة وأبراج الاتصالات.


دمّرت الغارات شبكة
الاتصالات التابعة لـ«الوحدات» ومركز إعلامها
وسبّبت الغارات التي استمرت لأكثر من ساعة فجر أمس، دماراً كبيراً وخسائر بشرية في صفوف «الوحدات»، وصلت إلى أكثر من 20 من عناصرها. كذلك دمّرت شبكة الاتصالات التابعة لـ«الوحدات» و«المحطة المكروية الوسطية» التابعة لوزارة الاتصالات السورية، ما أدى إلى خروج الاتصالات الأرضية والخلويّة عن الخدمة في مدن شمال المحافظة بنحو كامل. وأفادت مصادر مطلعة لـ«الأخبار» بأن قيادة «الوحدات» و«الأسايش» اتخذت إجراءات احترازية عبر إخلاء أغلب المواقع العسكرية، تحسباً لتكرار الغارات التي ترافقت أيضاً بقصف على مواقع «حزب العمال الكردستاني» في جبل سنجار في شمال غرب العراق. وأدت الغارات على سنجار إلى مقتل ستة عناصر من قوات الأمن الحكومية، وفق ما ذكر الأمين العام لوزارة «البيشمركة» في حكومة إقليم «كردستان العراق» جبار ياور. ووفق ياور، فقد كان القصف يستهدف مقاتلين أيزيديين متحالفين مع «العمال الكردستاني»، وأصاب «من طريق الخطأ» قوات تابعة لحكومة الإقليم. وقال الجيش التركي في بيان إن «الأماكن التي استهدفتها الغارات تحولت إلى أوكار للإرهاب تسبب مقتل المدنيين والجنود الأتراك»، لافتاً إلى أن «العمليات ستستمرّ حتى تحييد آخر إرهابي».
وفي المقابل، رأت مصادر كرديّة أن هذه الغارات «تشكك بصدقية (التحالف الدولي)»، الذي يُعَدّ حليف الأكراد في الحرب على الإرهاب. وركزت تصريحات الأوساط القيادية الكردية على ضرورة أن يقوم «التحالف» بواجبه بحماية حلفائه في «الوحدات»، ومنع تكرار مثل هذا القصف. وعلى الرغم من غياب الموقف الرسمي لـ«التحالف» الذي تقوده واشنطن، إلا أن وفداً أميركياً من القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، يرأسه ضابط برتبة عقيد، زار المواقع التي استهدفتها الغارات، ووعد «حلفاؤه» بتقديم تقرير مفصل إلى قيادته. وبينما أدانت بغداد بنحو عاجل الغارات التركية التي استهدفت مواقع في سنجار، لم يخرج عن دمشق أية تصريحات رسمية بهذا الخصوص حتى الآن. ومن جانبها، عبّرت واشنطن عن «قلقها العميق» إزاء الضربات الجوية التركية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية مارك تونر، إن الضربات أتت «من دون تنسيق مناسب، سواء مع الولايات المتحدة أو (التحالف الدولي)... ولقد أوصلنا قلقنا إلى الحكومة التركية مباشرة».
وظهر من حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد ساعات على الهجوم، أن بلاده تحاول العودة إلى حجز دور جديد في معركة الحرب على الإرهاب، عبر الضغط على حليفتها الأميركية بالورقة الكردية. كذلك يتماشى تأكيده لاستمرار بلاده بالتحرك العسكري في شمال سوريا والعراق «حتى تصفية آخر إرهابي»، مع الاستهداف الأخير، الذي يكرّس «جديته» في تنفيذ «التهديدات» التي يسوقها ضد الأكراد. وهو ما بدا إثر مطالبة «البيشمركة» في العراق، بانسحاب «العمال الكردستاني» الفوري من منطقة سنجار.
وبدا لافتاً في موازاة ذلك، ما أشار إليه مصدر مقرّب من «درع الفرات»، ومفاده أن قواتهم تستكمل تجهيز جيش تحت اسم «درع الشرقية»، بعد إعلان تأسيسه منذ أيام للمشاركة في المعارك ضد «داعش» في الرقة وديرالزور. وأشار المصدر إلى أن «عملياتهم ستطاول (الوحدات) الكردية في تل أبيض والحسكة ومنبج، لكونها تهدّد وحدة الأرض السورية».
ومن دون الخوض في تكهنات حول جدية تلك العمليات، وخاصة في مدينة مثل منبج المطوّقة بقوات روسية ــ سورية من الغرب وأميركية من الشمال، فإن الأكيد أن غياب اللاعب التركي عن معركة الرقة سيكون له أثمانه التي قد تنعكس على الأكراد في الشمال السوري، خاصة أن من الصعب الجزم بأن تركيا قد تندفع نحو عملية عسكرية تهدد أمن عسكريين أميركيين وغربيين موجودين قرب الأهداف التي قصفتها، من دون أي تنسيق أو إخطار مسبق لـ«التحالف».
وفي سياق متصل، دعا الرئيس المشترك لمجلس «حركة المجتمع الديمقراطي»، التابعة لـ«حزب العمال» خليل عثمان، «التحالف» إلى «فرض منطقة حظر جوي في روج آفا، لمنع تكرار هذه الاعتداءات». وبالتوازي، رأى القيادي في «حركة المجتمع الديمقراطي» ألدار خليل، في تصريح لـ«الأخبار» أن «(الوحدات) تقوم بواجبها في الحرب ضد (داعش)، وتريد حقها بالحماية»، لافتاً إلى أنه «إذا تكررت الهجمات، واستمر صمت (التحالف)، فإن ذلك سيؤثر في الحرب على (داعش) وفي العلاقة مع (التحالف)».