Sparta باللاتينية، أو أسبرطة، تلك المدينة اليونانية المشيدة منذ مئات السنين قبل الميلاد، بالقرب من ضفاف نهر يوروتاس، والمعروفة بـ«الدولة المدينة»، التي حافظت على استقلالها عن امبراطورية أثينا، دافعة ثمن ذلك حروباً دامية، سرعان ما تلاشت حين لاح الخطر الفارسي قبيل الحروب الميدية.


قبل أيام، تفطّن القائد الأعلى السابق لحلف «الناتو»، وزير الدفاع الأميركي الحالي الجنرال جيمس ماتيس، لاستعادة قصة هذه المدينة ــ الدولة، التي لعبت أدواراً أكبر من حجمها الطبيعي، مشبّهاً دولة الإمارات بها. ربما شاء ماتيس من هذه الاستعارة رسم حدود الدور المنوط أميركياً بالمشيخة الخليجية، من دون أن يستكمل التشبيه التاريخي بإعطاء محمد بن زايد دور شخصية أوريبادس في معركة سالاميس، القائد الأسبرطي الذي كانت على يديه هزيمة مردونيوس الفارسي واضطرار الجيوش الفارسية إلى الانكفاء نحو آسيا الصغرى.
مقارنة ماتيس التاريخية لا تبدو خيالية، ولو مع غض الطرف عمّا سيسفر عنه الدور الإماراتي من نتائج. تعمد أبو ظبي إلى الانتشار العسكري والأمني، تحت غطاء مشاريع تجارية، على طول الخط البحري الاستراتيجي الممتد من عمق الخليج العربي إلى نقاط البحر الأحمر الحساسة، المتوزعة بين ضفتي القرن الأفريقي والشواطئ اليمنية، مروراً ببحر العرب وجزره المستحكمة بالممرات المائية الدولية، كأرخبيل سقطرى اليمني.
هذا الدور الكبير في الإقليم للمشيخة الصغيرة من حيث الحجم الجغرافي والديمغرافي، يستحسنه الأميركيون من حليفتهم، بل لا يخفون تفضيله على الدور الموازي للمملكة السعودية. تصريحات ماتيس عن «أسبرطة الصغيرة» تجلي عقيدة أميركية تجاه الحلفاء الخليجيين، تحتل فيها الإمارات رأس اللائحة، نظراً إلى طابع أبو ظبي الأقل تزمّتاً والأكثر انفتاحاً من الناحية الدينية.
تفضيل الأميركيين للإمارات على السعودية، أعطى أبو ظبي مساحة أوسع للعمل، تتجاوز المظلة السعودية. وآخر تمظهرات هذا النشاط، التمدد في محافظة حضرموت اليمنية، المنطقة الأهم تاريخياً، بالنسبة إلى السعوديين.
فلطالما جرى الحديث عن أطماع سعودية في المحافظة اليمنية الأكبر، قوامها استغلال التشابك القبلي وتشابه العادات والتقاليد بين سكان المحافظة وجيرانهم في الشمال، حيث الكثير من الحضرميين المجنّسين سعودياً. وظهرت قبل مدة وثيقة طالب فيها مشايخ من الحضرميين بضم المحافظة إلى المملكة، في خطاب موجه إلى الملك السعودي. وقد جددت وثائق «ويكيليكس» عام 2011 تأكيد مشروع الخط الاستراتيجي للوصول إلى بحر العرب، إذ تشير إحدى الوثائق المنشورة حينها إلى أن أحد الدبلوماسيين البريطانيين في اليمن أبلغ دبلوماسياً أميركياً أن لدى الرياض رغبة في إنشاء خط أنابيب نفطي يمتد من حضرموت إلى مرفأ في خليج عدن. وفي خلال الحرب الحالية، ظهر مشروع «قناة سلمان» المائية الممتدة إلى بحر العرب، ليعيد المطامع السعودية، في الحصول على إطلالة على بحر العرب لطالما حلمت بها، إلى الواجهة.
الجديد اليوم أن المساعي الإماراتية في إقامة إقليم حضرموت ودعم مؤتمر«حضرموت الجامع»، تنسف الأحلام السعودية بإقامة إقليم يضم المهرة وحضرموت، ضمن مشروع الأقاليم الستة. إقليم تعوّل عليه الرياض للوصول إلى هذه المطامع، عبر استغلال البيئة الحضارية المتداخلة مع بيئة صحراء الربع الخالي. هكذا باتت السعودية أمام توغل إماراتي في المساحة الأهم بالنسبة إلى نفوذها الجيوسياسي، بنحو يهدد الحضور العميق والتاريخي للسعوديين في حضرموت، خاصة إذا امتد حضور قوات «النخبة الحضرمية» الموالية للإمارات من ساحل حضرموت حتى واديها، الأمر المرشح أن نشاهده في مقبل الأيام.