يدير النظام السعودي الملف اليمني عبر لجنة خاصة بالاستخبارات برئاسة علي الشهري، المعروف بميوله الوهابية. وتتولى هذه اللجنة العلاقة مع حكومة المنفى والجهات السياسية والقبلية اليمنية. لكن المعطيات حول عملها تشير الى أنها تفتقد البرامج والسياسات حول كيفية التعامل مع اليمنيين، مع جهل واضح حيال روابط النسيج الوطني اليمني، وخصوصيته.

الحاصل الفعلي هو خارج عن حدّ اللياقة والأدب، أو احترام الحد الأدنى من الشعور الإنساني للمتعاونين معهم من اليمنيين، وصولاً الى استغلال حاجة بعضهم المادية، ما يجعل آل سعود لا يقيمون تعاوناً على أساس الشراكة مع المكونات اليمنية، بل تتعاطى معهم كعملاء تستخدمهم لشرعنة عدوانها ووفق سياسة الوصاية والهيمنة على اليمن.

إحدى الشخصيات اليمنية المتواصلة مع الرياض، هالها مشهد الوجوه البارزة التي تقف بالطابور لتسلّم مخصصاتها السعودية بطريقة استعلائية مقززة، وأن حل القضايا الشخصية لها من قبل الاستخبارات السعودية يعني عملياً خضوع هؤلاء لعملية إذلال يصل إلى حدّ الملكية. والقاعدة الواضحة من قبل السعوديين هي: إما معنا أو ضدنا. وهي قاعدة لا تسمح بالتنوع أو التعدد، أو حتى إبداء الرأي. ولنأخذ مثلاً كيف تعاملوا مع الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي سالم البيض، إذ بمجرد أن قبل دعوة سلطنة عمان من دون إخبار الرياض، حتى قام الإعلام السعودي بتخوينه واتهامه بالتجسس لمصلحة إيران.
حتى إن هذا الضيق لدى هؤلاء لا يسمح بإيجاد مخارج سياسية لإظهار ولو تمايز بسيط في المواقف السياسية لحفظ ماء الوجه، أو التمظهر بالاستقلال وحرية اتخاذ القرارات. ويمكن لنا أن نتعرف، من خلال وسائل الإعلام السعودية، على قرارات الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي وحكومته قبل اتخاذها. ولعل آخر الامثلة، الحملة التي شنّها الاعلام السعودي على مؤتمر جنيف أواخر شهر أيار، قبل أن يتبرع الرئيس الفار هادي بطلب من الامين العام للامم المتحدة بضرورة تأجيل الموعد، وحجته أن فريق «أنصار الله» لم يلتزم بتطبيق قرار الامم المتحدة 2216، ويشكلون عامل استفزاز لدول الجوار. كذلك فإن نفس الاعلام السعودي استبق عقد مشاورات جنيف الاخير بالادعاء بفشله وعدم الجدوى من انعقاده، والشواهد كثيرة على ذلك.
اضافة الى ذلك، فإن طريقة آل سعود في إدارة الملف اليمني تتسبب في الخلافات بين بعض القبائل اليمنية، سيما تلك المنخرطة في مهمات داخل اليمن من ضمن برامج العدوان. وتتحول الخلافات الى صراعات على النفوذ والمال والمحاباة، وكل ذلك من منطلق التنافس الشخصي. وما يزيد الوضع سوءاً، تصنيف السعودية للفئات اليمنية المتعاملة معها حسب درجات وفئات، كما هو حاصل مع بعض قبائل مراد، وعبيده والجدعان، وآل الزايدي، وآل شبوة، (محافظة مأرب). وقد ظهر الى العلن الخلاف بينهم وبين المحافظ السابق سلطان العرادة، بسبب الاختلاف في طريقة توزيعه للمال السعودي، والتي لا ترضي هذه القبائل، ما حدا بزعماء هذه القبائل ووجهائها الى المطالبة بتسليم المخصصات المالية والهبات لهم مباشرة، وليس عبر العرادة. وهو ما ترافق مع زيارة الى الرياض، قام بها وفد يمثل كتيبتين عسكريتين، تم إنشاؤهما حديثاً، من قبل بعض قبائل مأرب، وطالب بألا تمر مخصصاتهم المالية عبر زعماء القبائل، الامر الذي فاقم الخلافات ووصل إلى التهديد بسحب المجاميع المسلحة واتهامات بالخيانة والسرقة.
إن القتال خارج الانتماء الوطني والدفاع عن سيادة البلد لا يصنع مقاومة، وعناصره كما قياداته لا يمتلكون حافزية الاستمرار في القتال والتضحية. وهذا ما حصل في جبهة الجوف التي حولها الإعلام السعودي إلى أيقونة بعد فشله في تعز وعدن، فروّج لعمليات قادمة من الجوف بهدف إسقاط محافظة صعدة المجاورة. لكن الذي حصل هو أن هذه المجاميع المسلحة بادرت الى تسليم مواقعها للجيش وأنصار الله، بمجرد التلويح بقتالهم، لتنتهي الهزيمة بحفلة من الاتهام بالخيانة والولاء للجيش وأنصار الله.
بعد مرور ما مرّ من أيام العدوان، وإزاء الفشل المتراكم، يبدو أن النظام في السعودية فكر في خيار الفتنة الشاملة والحرب الاهلية الواسعة داخل اليمن. لكن السعودية تعي تماماً أن فشل هذا الخيار أيضاً دفعها إلى أن تكون عنصراً داعماً للجنون الذي يتمثل في العقل الاسود الموجود في رأس تنظيم «القاعدة في اليمن»، الذي أطلق حربه لإحراق وتفجير المساجد والأسواق والتجمعات الشعبية. وهو خيار الخاسر والمفلس.