مذلولاً، يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من «معارك» التحقيقات ضده، داخلاً في ما قد يكون «احتضاراً سياسياً» لزعيم فضّل زجاجات الشامبانيا، والسيجار الفاخر، وصبغات الشعر، والرشى، على ترك أثر لا يغفله التاريخ حتى داخل حزبه على الأقل. بخلافه، يخرج الخصم العنيد نفتالي بينت، مزهواً بعدما فاز مجدداً بانتخابات حزبه («البيت اليهودي») الداخلية.


بأغلبية 80% من أصوات ناخبي «البيت اليهودي»، استطاع بينت سحق منافسَيه يوناتان برنسكي الذي نال 12% من الأصوات، والراف يتسحاق زاغا الذي نال 7% فقط. فوزه الذي ظهر «غير مفاجئ» بالنسبة إلى صحيفة «إسرائيل اليوم»، لم يردع الزعيم القديم ــ الجديد من مخاطبة ناخبيه، بالقول: «وضعنا اليوم الحجر الأساس في طريق قيادة الدولة، فالاختيار لم يكن شخصياً، إنما هو اختيار نهجٍ يحافظ على أمن إسرائيل من دون تنازلات، ويحافظ على هويتنا اليهودية، ووحدة صفوفنا».
لكن، من هو «مسيح الصهيونية الدينية المنتظر» ــ كما وصفته الصحافية الإسرائيلية هداس ريفيك؟ ومن هو هذا الرجل الذي أجبر رئيس حكومته، نتنياهو، وفق صحيفة «هآرتس» على «الاستسلام»؟ وأظهره كـ«سياسي ضعيف… يرضخ بسهولة للضغوط والتهديدات»، رغم كونه وزيراً محدود النفوذ والصلاحيات؟
«كيف سيمثّل نتنياهو مصالح إسرائيل في وجه أعدائها إذا لم يستطع حتى الوقوف في وجه وزير للتربية والتعليم؟»، تتساءل «هآرتس»، مغفلة أن قائد معركة إلغاء تجميد بناء المستوطنات لم يكن مجرد وزير عادي بالمعنى التقليدي، بل هو كما وُصفَ عام 2013 «نادر».
بينِت، المولود في حيفا عام 1972 لأبوين يهوديين هاجرا من الولايات المتحدة بعد نكسة عام 1967، تحوّل من مستشار بين أيدي «الملك بيبي» في 2007، إلى «رقم صعب» في المفاوضات الائتلافية، بعدما فرض نفسه زعيماً على الأحزاب الصهيونية الدينية المنضوية في «البيت اليهودي»، وهي: «المفدال الجديد والاتحاد الوطني ــ النهضة»، وذلك إثر انفصاله عن «الليكود» نتيجة خلافات قيل إنها مع عقيلة نتنياهو، سارة.


يمثّل بينِت طموح اليمين المتطرّف ويدرك نتنياهو
خطر ذلك عليه

السياسي، الذي تلقى تدريبه العسكري في وحدة النخبة للعمليات الخاصة بإشراف الاستخبارات التابعة لجيش العدو، وشغل بعد ذلك مناصب قيادية عدّة في الوحدة نفسها، لم يأتِ من خلفية سياسية وعسكرية فقط، فهو محامٍ تخرج في الجامعة العبرية في القدس المحتلة، كما أنه رجل أعمال ناجح وفق تصنيف مجلة «فوربس» عام 2012، إذ جاء في قائمتها على أنه أحد أفضل مقاتلي وحدات الكوماندوس الإسرائيلية السابقين الذين نجحوا في عالم إدارة الأعمال بعد خدمتهم العسكرية.
بصفته يمينياً متشدداً، يرى بينِت أن «تعلّم الديانة اليهودية والتفوق فيها أكثر أهمية من التفوق في مجالَي الرياضيات والعلوم»، لأننا «لسنا قادرين (الإسرائيليين) على ضمان قيام دولتنا اليهودية من دون الإلمام بالتوراة... بصفتنا يهوداً، فلا يكفي أن نكون شعباً يتقن المعرفة بالتقنيات الناشئة، بل علينا أن نكون شعباً يعرف التوراة ويفهمها أيضاً».
يحمل الوزير صاحب كتاب «الخروج» أيديولوجيا يمينية واضحة، فهو ينتمي إلى تيار الصهيونية الدينية، ويناضل من أجل «نيل الشعب الإسرائيلي حقوقه كافة»، مؤمناً بـ«أرض إسرائيل من النهر إلى البحر». كما يرى بينِت أن «الوقت حان لضمّ الضفة إلى إسرائيل»، ولا ينسى الدعوات إلى «تفجير الحرم القدسي» أو استخدام الخيارات العسكرية للتصدي لما يُطلق عليه «الإرهاب الفلسطيني»، ومنع أي محاولة لإقامة دولة فلسطينية.
يقول بينت إنه «في 1977، انتُخب اليمين، لكن فقط في 2016 بدأنا... نحكُم»، معلناً بذلك بداية عهد جديد يعبّر صراحة عن «روح اليمين الإسرائيلي الحقيقي». ومن المهم الإشارة إلى أنه شغل منصب المدير العام لـ«المجلس الإقليمي للمستوطنات في الضفة» عام 2009، وأسس حركة «إسرائيل لي» مع زميلته وزيرة القضاء إيليت شاكيد، كما استطاع في 2017 رغم التمثيل المحدود لحزبه في الكنيست (ثمانية مقاعد فقط)، نقل المشروع الاستيطاني إلى القمة، وذلك بفرض قانون «تسوية المستوطنات».
وإثر التهديد بزعزعة الائتلاف الحكومي، نجح السياسي الذي قيل عنه في 2013 إنه «سيحدث ثورة وانقلاباً»، في إرغام نتنياهو على التراجع عن قراره تأجيل التصويت على القانون، ليجري التصويت في موعده المحدد.
في العلن، يقلل نتنياهو من خطورة حليف الأمس وخصمه السياسي الحالي، لكن بينما يخضع حالياً للتحقيق في قضيتين تتعلقان بالفساد وتلقي الرشى، يُدرك رئيس الحكومة جدية التهديد الذي يمثله زعيم «البيت اليهودي»، لذلك لم يكن مفاجئاً ما كشفته هذه التحقيقات، حول طلب نتنياهو من صديقه مالك صحيفة «يديعوت احرونوت»، نوني موزيس، تلفيق الأخبار والأكاذيب حول بينت ومهاجمته من منبره الإعلامي. ألم يكن هو نفسه من منعه أيضاً من إلقاء خطاب النصر بعد التصويت النهائي على القانون (التسوية)، وذلك كي لا يظهر بينِت الرجل السياسي الأقوى؟
وفق «هآرتس»، «يرى بينِت نفسه رئيساً للحكومة»، ويتعامل مع نتنياهو «كأنه سفير له في الولايات المتحدة»، فيما رأت شاكيد، في مقابلة مع القناة الاسرئيلية العاشرة، أنه قد يكون رئيساً للحكومة بحلول 2019.
من الصحيح أن «الليكود» و«البيت اليهودي» لا يختلفان كثيراً في التوجه السياسي، وأن «التحالف الطبيعي» بينهما هو أيديولوجي، كما عبّر عنه نتنياهو، لكن ذلك لا ينفي أن هناك علاقة تنافسية بين الحزبين. ظاهرياً، هناك تحالف أيديولوجي يميني متطرف، لكنه يحمل في طياته المنافسة على أصوات اليمين، وخصوصاً على أصوات المستوطنين الذين باتوا يشكلون أكثر من 11% من مجمل الإسرائيليين اليهود، وقد تزيد النسبة على ذلك وفق معطيات تشير إلى اقتراب عدد المستوطنين في الضفة من 800 ألف.
لذلك، يمكن أن نفهم صراع بينِت لتعزيز قدرة المستوطنيين على فرض أجنداتهم، وهو ما ظهر في معركته السياسية على أكثر من جبهة. وعندما سئل ذات يوم: لماذا (هو) ليس من «الليكود»؟ أجاب بأن الأخير «يمثل قيم الحركة التصحيحية الصهيونية التي أنشأها زئيف جابوتنكسي، ولا يمثل التعاليم الروحية التوراتية... البيت اليهودي جذوره في التوراة!».
مع ذلك، لسنا أمام متطرف صهيوني من نوع جديد، فهو وجه «العملة» الآخر فقط. هناك من يدير الصراع مع الفلسطينيين بالشروط التعجيزية، وهنك من يؤمن، مثل بينِت، بأن «للفلسطينيين دولتين، غزة والأردن».