لا شك في أن الأحداث الأخيرة في عدن، ابتداءً من إقالة محافظ عدن، عيدروس الزبيدي، والوزير هاني بن بريك، وما نتج على إثرها من ردود فعل، ستترك تداعيات خطيرة على مستقبل العلاقة الخليجية مع الأطراف المحلية في اليمن الجنوبي. لا أحد ينكر الجانب المحلي في الصراع المرير والمستدام للأجنحة المشكلة للسلطة في جنوب اليمن، والذي لا يقل أهمية عن الجانبين الإقليمي والدولي؛ إذ إن التركيبة المناطقية والقبلية تعتبر أحد الروافد الرئيسة للاحتراب السياسي والأمني.


وكما اعتمدت الأطراف الجنوبية في الحقب السابقة السبل كافة، ومنها العنف وإراقة الدماء، لتحقيق الفوز والظفر على الخصوم المحليين، مثلما حصل في الصراع الدامي بين «الطغمة» و«الزمرة» في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، والذي راح ضحيته عشرات آلاف الضحايا من الطرفين، يجري اليوم تحفيز الغرائز وإثارة الانفعالات العاطفية وإحياء الانقسامات المناطقية والقبلية وتأجيج أوار الصراع والاقتتال العنيف، بغية التسلق لاعتلاء سدة القرار السياسي في البلد مهما كانت النتيجة ومهما كلف الأمر، والمانع الوحيد للانزلاق إلى الهاوية العسكرية هو المانع الإقليمي (الخليجي)، مع العلم بأن الإمارات والسعودية تديران في الوقت ذاته عملية شد الحبال بين الطرفين، وتحرصان على إبقاء الكباش بالقرب من الحافة، خشية أن يؤدي الوقوع فيها إلى التأثير على مجريات حربهما في الشمال اليمني.
وتحجب قساوة الأطراف المحلية وجموحها في الاستئثار ونزعة السيطرة والتسلط معاناة السكان في المحافظات الجنوبية، التي تنوء تحت الأزمات الاقتصادية والانمائية والاجتماعية، إذ أُغلقت سبل الحياة فيها كافة، باستثناء فتح مجالات التجنيد لقتال الشماليين والموت في سبيل قضية ليس للجنوب فيها ناقة ولا جمل، على حدّ تعبير جنوبيين. وفي الإطار عينه، تستخدم الأطراف ماكيناتها الإعلامية لإشغال بال العامة في تقاذف التهم والتضليل، ورمي المسؤوليات من قبل كل طرف على الآخر.
ولا تنفصل الأحداث الجارية في جنوب اليمن حالياً عن المشهد العام للصراع في الجزيرة العربية بين ضفتيها الشمالية (دول الخليج) والجنوبية (اليمن)، ومصارعة كل دولة من الضفة الشمالية لبسط نفوذها حسب أجندتها ونزعتها في النفوذ والتمدد وإقصاء الآخرين كلما سنحت الفرصة لذلك. فبعد أن كان التنافس قبل العدوان على اليمن ينحصر بين السعودية وقطر على ملفات المنطقة (سوريا ومصر وليبيا)، قبل أن يؤول إلى غلبة الرياض في غير ملف، يتكرر السيناريو نفسه في العدوان على اليمن، حيث يبرز التنافس الشديد بين السعودية والإمارات. تنافس تصاعد بعد السيطرة على جنوب اليمن، وكان واضحاً فيه أن الغلبة للجانب الإماراتي، الذي استطاع تحجيم السعودية من خلال التضييق على أدواتها (تحالف عبد ربه منصور هادي وحزب الإصلاح الإخواني) ووضع العراقيل أمامهم في كل مكان. لكن في كل مرة، تثبت الرياض أنها صاحبة الكلمة الفصل، وأنها هي التي تعطي «شقيقتها الصغرى»، الإمارات، المجال للعب الدور الخليجي إلى حين انتهاء المهمة المتعلق بالانتهاء من الحرب على اليمن.
لم يكن ممكناً للرئيس المستقيل، عبد ربه منصور هادي، اتخاذ قرار كبير مثل قرار إقالة محافظ عدن والوزير بن بريك المحسوبَين على دولة الإمارات، من دون ضوء أخضر سعودي، وذلك لما يتمتع به الرجلان من نفوذ وصلات قبلية ومناطقية وعسكرية، إذ يمتلك الأول فصائل مسلحة تابعة للحراك الجنوبي المموّل من الإمارات، والثاني يُعتبر المشرف على «الحزام الأمني» لمحافظات عدن ولحج وأبين، وله امتدادات سلفية كبيرة تتلقى كذلك دعماً من الإمارات.
ولا يمكن اعتبار قرارات هادي، ولا بأي شكل من الأشكال، قرارات إدارية وظيفية بحتة، بل هي تعبير عن مدى الضيق الذي وصلت إليه السعودية من ممارسات الإمارات في الجنوب اليمني، ومحاولاتها الاستفراد بالملف الجنوبي الذي لا يقل أهمية عن مناطق الشمال بالنسبة إلى الرياض التي كانت تتعاطى مع الملف الجنوبي باعتبار «الشراكة الإماراتية وأخوّة الدم» في ما يسمى «التحالف العربي»، غير أن الإمارات ذهبت بعيداً خارج السقف المرسوم لها من قبل الرياض، وتخطّت الخطوط الحمراء، وهي تبني مسارها السياسي والأمني والعسكري الخاص بها في الجنوب، وتعمل على أن تصبح الوكيلة المعتمدة من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وذراعها القوية على حساب الدور السعودي. وقد ظهر التأييد السعودي للقرارات الأخيرة من خلال استقبال الملك سلمان بن عبد العزيز للرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، فضلاً عن زيارة السفير الأميركي في اليمن، المقيم في الرياض، للمحافظ المعيّن في عدن، عبد العزيز المفلحي، وما نقلته مصادر صحافية عن نية واشنطن فتح مكتب في عدن يتبع السفارة الأميركية في اليمن.
وكانت الإمارات قد عمدت إلى تحريك العديد من القضايا التي لا تستطيع الرياض التغاضي عنها، أو تجاوزها، وشكلت إحراجاً كبيراً لها، وهي على النحو الآتي:
* انعقاد «مؤتمر حضرموت الجامع» من دون موافقة سعودية، وصدور مقررات من المؤتمر تخالف التوجه السعودي، لا سيما في ما يختص بالأقاليم الستة، إذ إن المؤتمر دعا إلى صيغة حكم فدرالي تكون فيه حضرموت إقليماً مع مميزات حكم ذاتي، على خلاف مخرجات الحوار التي تعتبر حضرموت وشبوة والمهرة إقليماً هو الإقليم الشرقي.
* استدعاء الإمارات لشركات نفطية فرنسية وغيرها للاستثمار في نفط حضرموت، وتفيد معلومات مؤكدة، حصلت عليها «الأخبار»، بأن دولة الإمارات تعمل على تعزيز حماية الخط النفطي إلى ميناء الضبة في شبوة، والعمل على زيادة تصدير نفط حضرموت وغاز شبوة.
* تمدد الإمارات في القرن الأفريقي واستئجارها لعدد من الموانئ، أبرزها ميناء في الصومال وآخر في الصومال الجديدة، واستئجار ميناء جيبوتي، وكذلك ميناء ومطار في إريتريا، إضافة إلى سيطرتها على ميناء عدن وميناء المكلا وجزيرة سقطرى.
* المشاركة الإماراتية المباشرة مع الولايات المتحدة في العمليات العسكرية التي تنفذها واشنطن ضد «القاعدة» في اليمن، لا سيما مشاركة قوات نخبة إماراتية في إنزال البيضاء، إضافة إلى التعاون الاستخباري واللوجستي مع واشنطن من دون الرجوع إلى الرياض.
* التضييق الإماراتي على عبد ربه منصور هادي وحكومته في «معاشيق»، والعمل المستمر على محاصرتهم والتهجّم الدائم على «الشرعية».
* تصدّر المشهد السياسي من قبل الإمارات في عدن خصوصاً والجنوب عموماً، من دون الرجوع للسعودية.
* رفض الإمارات المطلق والحاسم لأي تقارب مع حزب «الإصلاح الإخواني»، بل اعتباره عدواً حقيقياً أصعب من القوى الوطنية في الشمال.
* إفشال الإمارات جميع الوساطات التي قامت بها السعودية بعد أحداث المطار منذ شهرين، وتعمّد إبقاء الوضع على ما هو عليه.
واعتُبر الصمت الإماراتي الرسمي في البداية عن التعليق على قرار الإقالة استشعاراً من أبو ظبي لخطورة المرحلة، وخوفاً من أن تتعدى المواجهة بين الأطراف الجنوبية إلى صراع سياسي علني مع السعودية، غير أن تغريدة وزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، على «تويتر»، والتي اعتبر فيها قرارات هادي «طعنة في الظهر»، و«قراراته أكبر من قدراته»، تدل على المرارة الإماراتية من تلك التصرفات.
أرادت الرياض بقرارات هادي توجيه رسالة تأديبية إلى حليفتها «الصغرى»، أبو ظبي، لإجبارها على العودة إلى الحاضنة السعودية، في محاولة لتعطيل دورها المتنامي في الجنوب، والعمل على حصرية الوكالة الخليجية للولايات المتحدة بيد الرياض فقط. وستبقى دولة الإمارات على رف الانتظار إلى حين زيارة الرئيس الأميركي للسعودية، والذي سيستخدم علاقاته القوية مع أبو ظبي كورقة من أوراق كثيرة لابتزاز الرياض في إطار «الصفقة الكبرى».