■ هل الاستراتيجية الاقتصادية الجزائرية الجديدة، التي يلخصها «برنامج دعم التنافسية الصناعية والطاقة» منذ عام 2016 والقائمة على الاستدانة، فعالة؟

دعونا نجيب على هذا السؤال قياساً بتجربة بلد آخر. ما الذي حصل في سوريا عام 2011؟ أولاً، كنّا أمام رئيس لا يعي أهمية تشارك السلطة مع شعبه ومع النخب الجديدة. ولدى معاينة الوضع عن كثب، يتبين أن الصراع داخل النظام السوري كان يدور بين جهازَيْن سرّيَيْن (أمنيين)...

ويُظهر تحليل هذا الصراع أن سبب المواجهة لم يكن حول استراتيجية الدفاع عن البلاد، بل كان التناحر بين الطرفين على حصة كلّ منها من عائدات البلاد، مهما كانت ضئيلة، بالتوافق مع «شركائهما» الخارجيين. وبالتالي، فإن سبب الصراع داخل النظام لم يكن تنسيق السياسات الاقتصادية، بل الاستيلاء على عائدات البلاد. وما يكشفه هذا الواقع غير العقلاني هو أن المنطق السياسي في البلاد قائم على الخضوع للخارج، نظراً إلى أن الأمر الوحيد الذي يجرى التفاوض حوله هو تشارك حصص العائدات. أما الدرس الذي يجب تعلّمه من انهيار النظام السوري عام 2011 والنظام الجزائري قبله عام 1988 هو أن الأنظمة الديكتاتورية التي أتت تدريجياً إلى السلطة سعت للاستحواذ على عائدات البلاد بأساليب ما انفكّت تزداد مافياويةً، بدلاً من اعتماد إدارة اقتصادية سليمة.


لطالما شكلت استراتيجيات الاستدانة حجة لاستعمار
الدول المَدينة
والجدير ذكره هو أن المافيات تسعى لمضاعفة عوائدها لا لخدمة المصلحة العامة ولا حتى لخدمة زعيمها، بل هي تتبع منطق الأقوى. فإذا زرتم اليوم جزيرة صقلية، ستلاحظون أنها مكان يمكنكم طمر كل نفايات العالم فيه، بسبب المافيا التي تحكم الجزيرة وتعيث فساداً فيها. فقد حوّلت هذه المافيا بلدها إلى مطمر عالمي وهي تستغل الإنسانية بأساليب أشدّ حتى من العبودية. ويؤدي هذا المنطق المافيوي إلى تدهور الأوضاع الإنسانية بشدة في البلاد. لذا، فقد أوحت لنا الحرب السورية وكأن الطريق الذي يؤدي إلى تدهور الأوضاع الإنسانية وإلى الوحشية هو القاعدة الوحيدة لحلّ المشاكل السياسية. ولا بد لي من الإضافة بأنني لا أتخذ موقفاً بشأن الحرب السورية، بل أحاول تقديم شرح لها فحسب. فالوضع في الجزائر يتبع المنطق نفسه من حيث الإدارة التي تزداد مافيويةً للملف الاقتصادي. وبالتالي، يجب خوض النقاش حول الاستدانة الخارجية في الجزائر انطلاقاً من هذه الزاوية السياسية: هل المسألة تتعلق بنقاش فكري حول شروط التنمية؟ كلا، فالجزائر لديها احتياطي من 100 مليار دولار، فما سبب طرح فكرة الاستدانة من الخارج إذاً؟ أي دولة متقدمة تمتلك 100 مليار دولار؟ هل الاستدانة أداة لحماية المصلحة العامة أم أنها تسمح بزيادة قدرة بعض الأفراد أو تجمعات الأفراد على اختلاس الأموال؟ هذا مع التذكير بأن الدين يربط ما هو وطني بما هو دولي، أي أنه يوسع دائرة تقاسم العائدات لكي تشمل لاعبين جدداً. كذلك، فإن الدين يعزز سطوة منطق التقاسم. فضلاً عن ذلك، يسود اليوم ما يُسمّى بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإذا وضعنا هذه التسمية الخرافية جانباً، فإن المعنى الحقيقي لها هو أن الجزائر، ومع أنها بلد غني، غير قادرة على إدارة آلية التقاسم بمفردها. وبالتالي، فإن الهدف من الاستدانة هو شراء الرضى الدولي والسعي لتحقيق شروط اللاعبين الاقتصاديين الدوليين.

■ ولكن شراء الرضى الدولي عبر الاستدانة يزيد من حالة التبعية. ألا تهدد الشروط التي تفرضها الجهات المقرِضة أسس الإدارة الداخلية والتوازن الذي تحققه سياسات إعادة التوزيع؟
لطالما شكلت الاستدانة حجة لاستعمار الدول المَدينة. ولكن البلد الوحيد الذي استُعمر لأنه غني، لا لأنه عجز عن إيفاء ديونه، هو الجزائر. لذا فإن تاريخ الدين هو تاريخ الاستعمار بعينه. فالدين هو أساساً وسيلة الدائن للاستحواذ على ممتلكات المَدين، والفقراء يستدينون ثم يتم تجريدهم من الفتات المتبقي لهم. وعلى هذا الصعيد، من السهل فهم قانون السوق. فلإخضاع الطبقات العاملة، تم تصميم نظام يشجع على استهلاك المنتجات التي تبيعها الدول المتقدمة، التي هي نفسها الجهة الدائنة للدول الفقيرة، وذلك لكي تحافظ الأخيرة على مستوى استهلاكها. إنها علاقة تبعية. ولكن في بلد كالجزائر، يتمتع بفائض تجاري وبنظام مرن، فإن الجهود التي يجب بذلها مختلفة تماماً. ولهذا السبب، تتبنى دول الشمال خطاباً مغرياً، تلتزم بموجبه بعدم التدخل في إدارة البلاد الداخلية، وتشجع على تعزيز الشراكات. ومن خلال هذه الاستراتيجية، تسعى الدول المتقدمة لإنتاج آلية إخضاع جديدة لكي تحافظ على الوضع القائم. وبالتوازي مع ذلك، فإن الجنوح نحو الوهابية والتفكير القصير الأمد، مقابل التخطيط الجدي لدى الجانب الآخر، لا يبشّر بأي خير.

■ إذاً فأنتم تستبعدون أن تتمكن الجزائر من تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي بشأن اللبرلة؟
المشكلة ليست في الجهة المقرِضة، التي يصادف أنها صندوق النقد الدولي في هذه الحالة. فمواقف جهاز الحوكمة الاقتصادية العالمية هذا تعتمد على مدى جدية الدولة التي تطلب المساعدة منه. فإذا كانت الدولة التي تطلب الاستدانة تطبّق استراتيجية تنمية وطنية مع فرق تقنية فعالة، يضطر صندوق النقد الدولي إلى التفاوض معها بجدية. أما إذا وجد صندوق النقد الدولي نفسه أمام أشخاص غير كفوئين يستجدون الرضى الدولي فحسب، فيكون الوضع ملائماً لكي تفرض أشكال جديدة من الاستعمار نفسها. ولكن هذا لا يعني أننا نتعامل مع آلة تعمل وفق نظام محدد. فلنأخذ مثلاً كوريا الجنوبية، التي هي شبه مستعمرة أميركية ولكنها رغم ذلك متطورة للغاية: عندما تسلم الجنرال بارك جونغ هي (شيوعي سابق) زمام السلطة، قرر تطوير البلاد عبر التفاوض مباشرة مع الأميركيين. ولكن في التسعينيات، اعتبر الأميركيون أن الكوريين قد حادوا عن الخط المرسوم لهم، فقرروا معاقبتهم بشدة عبر تدمير مجموعة «دايو»، أحد أكبر التكتلات التجارية الكورية الجنوبية. فبالنسبة إلى واشنطن، لا مانع أن يكون البلد متطوراً طالما أنه يطيعها ويسدد الدفعات من حين إلى آخر، والأمر نفسه ينسحب على صندوق النقد الدولي. ولكن المشكلة لا تكمن في أن صندوق النقد الدولي أداة بيد الإمبريالية، بل في أن أحداً لا يقف في وجهه في أغلب الأحيان. لقد عملت مع صندوق النقد الدولي، ولذا أنا أعرف جيداً أن الدول التي تدافع عن مصالحها بشكل جدي تستفيد منه.

■ ما هو موقع الجزائر اليوم كلاعب اقتصادي إقليمي؟ هل تمتلك وسائل التنافس مع المغرب على غزو الأسواق الأفريقية؟
يتمتع المغرب بأفضل نظام مالي في العالم العربي، إضافة إلى أنه يمتلك سفناً هائلة ولكنها بلا أي جدوى. فالمغرب لا يملأ حاويات هذه السفن الضخمة والمصممة بطريقة ممتازة سوى بالأقمشة والتوابل. فنظراً إلى أنه لا يمتلك خطوط نقل بحري، هو مضطر لاتباع خطوط الملاحة الساحلية (القريبة من الشواطئ) لنقل بضائعه إلى الأسواق الأفريقية. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن نظام الجزائر، خصم المغرب الاقتصادي، وبعد 60 عاماً من البيروقراطية، ما زال لا يشجع على الاستثمار. ولكن القطاع الخاص الجزائري لا يشبه «المخزن» المغربي (النخبة الحاكمة)، كما أن قدراته تفوق قدرات «المخزن» بكثير. فبمعزل عن المال القذر، يبقى القطاع الخاص الجزائري مليئاً برجال الأعمال الذين يفضلون العمل بالطرق المشروعة حتى ولو كانت مصادر رؤوس أموالهم مشبوهة. خذوا مثلاً رجل الأعمل يسعد ربراب، الذي أصبح من أهم اللاعبين العالميين في مجال إنتاج السكّر وتصديره، على الرغم من الإطار القانوني المقيّد، والسبب أنه يجسّد التحالف بين دينامية الترقي الاجتماعي الجزائري والكفاءات المبنية بين عامي 1960 و1980. وما يكشفه ذلك هو أنه كلما انفتحت الجزائر على أفريقيا، تمكنت شركات مثل «كوندور للإلكترونيات» من التوسع وتمكن رجال الأعمال مثل ربراب من تصدير منتجاتهم. لذا، فالأمر الذي نحتاج إليه اليوم هو السفن المغربية، إضافة إلى النظام المصرفي وقطاع التأمين، لتمويل جهود التصدير الجزائرية. تاريخياً، اعتمدت استراتيجية المغرب على استعادة نطاق تأثير الدولة المرابطية التي شملت موريتانيا وجزءاً من مالي والسنغال وغينيا وصولاً إلى ساحل العاج، إلا أن هذه الاستراتيجية لم ترقَ إلى مستوى السياسة الأفريقية. إلا أن المغرب سرعان ما غيّر سياسته وطوّر استراتيجية جديدة للتوسع نحو مناطق لا خبرة له فيها إطلاقاً، مثل إثيوبيا ورواندا على نحو خاص. وإذا حلّلنا هذه التطورات من زاوية مختلفة، نلاحظ أن استراتيجية المغرب الحالية تلبّي الرغبات السعودية-الإسرائيلية. فالرياض وتل أبيب والرباط تسيطر اليوم على أفريقيا، وذلك بسبب السياسات الإسرائيلية المتبعة. وفي ظل هذا الواقع، تتعاظم تداعيات غياب الجزائر عن الساحة الأفريقية. حتى أن البلدان الموالية للمغرب تطالب بحضور قوي للجزائر في القارة لكي تحظى ببعض الدعم في تعاملها مع المغرب. ولا تقتصر آفاق هذه الاستراتيجية السعودية-الإسرائيلية على الدور الذي قد تلعبه أفريقيا في المستقبل، بل إنها تهدف إلى معالجة المخاوف الحالية التي يتشاركها الطرفان. فاللبنانيون، وخصوصاً الشيعة منهم، يمتلكون استثمارات هائلة في أفريقيا. وبالتالي، يجب إعادة تحليل المسألة برمّتها في ضوء التطورات التي تشهدها المنطقة والعالم. فنحن نخوض صراعاً لا يقتصر على الميدان الاقتصادي، بل يتخذ شكل الحرب والاحتلال الفعلي. لقد كانت الجزائر، تاريخياً، أقرب إلى إيران مما هي إلى المملكة العربية السعودية، ولكنها اليوم عاجزة عن لعب دور عدم الانحياز، أو عن مواجهة التحالف السعودي-الإسرائيلي، بسبب غياب التخطيط والاستراتيجيات لدى النظام الجزائري.