تونس | في تطاوين، قد يبدو تواصل الاعتصام وغلق الطرقات وارتفاع سقف المطالب وطبيعتها ضرباً من التطرف أو التعجيز. ذهب بعض المراقبين إلى التشكيك في صدقيّة التحركات وأهدافها، لكن نظرة متفحّصة لتاريخ تطاوين المعاصر، كفيلة بتفسير ما يحصل.


من الناحية الجغرافيّة، تقع محافظة تطاوين في الجنوب التونسيّ، وتبعد عن العاصمة حوالى 600 كيلومتر، ما يجعلها جزءاً مما يصطلح عليه في تونس بـ«الجهات الداخليّة». ومن الناحية الاقتصاديّة، فرغم احتوائها المخزون الأكبر للنفط في البلاد (على هزالته بصفة عامّة)، لا ينحدر من المنطقة عدد كبير من الوجهاء الاقتصاديين على المستوى الوطنيّ، فرأس المال الرئيسيّ للمنطقة هو رأسمال رمزيّ يتأتى من ماضيها المقاوم. بهذا المعنى، يرى المحتجون أنفسهم كاستمرار لتاريخ أسلافهم، فهم أيضاً مقاومون للنظام الحاكم (بالمعنى الواسع للكلمة).
يتوزع أبناء تطاوين على طول البلاد وعرضها، وكذلك في أوروبا، بخاصّة فرنسا، ويمتهنون في الأغلب وظائف دنيا ــ وقد قام هؤلاء باحتجاجات رديفة في باريس والعاصمة تونس هذه الأيام. ويُستشف من حديث أهالي تطاوين في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ إحساسهم بالظلم، ويتكثّف هذا الإحساس في سرديّتهم حول تاريخ منطقتهم: تطاوين عاقبها المستعمر لتمردها، ولم يشفع لها نضالها بعد الاستقلال، فتَواصل عقابُها لمعارضة قسم واسع من سياسييها للرئيس الراحل حبيب بورقيبة. ويقول ناشطون محليّون: «نحن أوّل من رفع السلاح في وجه فرنسا وآخر من تركه... ومع ذلك لم ننل شيئاً يذكر، وحتى موارد الجهة البتروليّة لا تعود بالنفع عليها، فهي تُستخرج من أرضها لتذهب بعيداً تاركة وراءها الغبار لا غير».
وفي حين ارتفعت موازنة المحافظة نسبيّاً في السنوات الموالية للثورة، لكن تبقى النسب ضئيلة وغير كافية لتطوير وتنفيذ المشاريع العموميّة، خصوصاً في ما له علاقة بالبنية التحتيّة التي تتصف بحالة متردية.
كل ذلك، جعل من تصوّر الأهالي لمنطقتهم دون تغيير: تتوفى نساء حوامل بصفة دوريّة لغياب ما يكفي من التجهيزات والكوادر الطبيّة، وتتدهور الفلاحة (الزراعة) أو تبقى على حالها دون تطوّر، وترتفع البطالة التي تلامس نسبتها 32 في المئة من السكان النشطين، ثلثهم من حملة الشهادات الجامعيّة (لا يجب أن ننسى هنا تغنّي النخب الحاكمة بمشروع الدولة الوطنيّة المبني على التعليم كمصعد اجتماعيّ، إذ يبدو المصعد معطلاً في هذه الحالة).

حلقة متواصلة من الاحتجاجات


يعكس التكاتف المناطقي إحساسَ الأهالي بأنّ
ثروات منطقتهم تُنهَب
لم تبدأ الاحتجاجات الآن، إذ يجب أن يُنظر إلى الأحداث الراهنة كحلقة من سلسلة ممتدة من التحركات منذ 2012 إلى اليوم. أخذت التحركات السابقة منحى تصعيديّاً، كان ينتهي بترضيات مؤقتة ووعود. ولعلّ ما فاقم المشكلة، هي الوعود الانتخابيّة التي قدمها سياسيون وأحزاب، ومنها أحزاب في التحالف الحاكم، وعجزوا عن تنفيذها أو ترجعوا عنها، وهي حالة عامّة لا تعني تطاوين حصراً. وقد خلّف الأمر مرارة، خاصة أنّ المنطقة مصنّفة ضمن المحافظات التي تتمتع بـ«تمييز إيجابيّ»، كما أحدث قطيعة بين الساسة والمواطنين الذين فقدوا الثقة بهم، ما أدى إلى اتخاذ الموجة الاحتجاجيّة الراهنة اتجاهاً أكثر راديكاليّة مقارنة بسابقاتها (أغلق المحتجون بداية الطرقات لمنع وصول الإمدادات إلى الشركات البتروليّة في الصحراء ومنع تدفق منتجاتها خارج المنطقة. لكنهم تنبّهوا في وقت لاحق إلى التجاء الشركات لاستعمال طريق خلفيّة تقع خارج مناطق العمران، فتوجهوا في قافلة لغلق طريق «الكامور» وشلّ نشاط الشركات).
المُلاحظ هذه المرة هو التفاف جمع واسع من الفاعلين في تطاوين حول الأحداث، برغم سعي المحتجين لتنظيم أنفسهم بصفة مستقلة عن الأحزاب السياسيّة ومنظمات المجتمع المدنيّ. أصدر الاتحاد العام التونسي للشغل، واتحاد الصناعة والتجارة، ومعظم الأحزاب السياسيّة (ومنها أحزاب حاكمة) بيانات مساندة. قد يبدو الأمر غريباً للوهلة الأولى، إذ كيف يلتقي كلّ هؤلاء على موقف موحد من احتجاج؟ لكن ربما تكمن الإجابة في توحدهم حول إحساسهم المشترك بالظلم والإقصاء. فقد يعكس التكاتف المناطقي إحساسَ الأهالي بأنّ ثروات منطقتهم تنهب، لا فقط من المركز، بل من مناطق أخرى: تشارك الشركات الأجنبيّة العاملة في القطاع النفطيّ شركات محليّة تعود لعائلات نافذة (تربط العائلات بأصولها المناطقيّة). ويقول ناشطون إنّ تلك الشركات تأتي بعمال من خارج تطاوين (الواقع أنّ 45% من العمال محليّون والبقيّة من مناطق أخرى، أما نسبة غير التونسيّين بينهم فهي شبه صفريّة)، ويضيفون أنّ تلك الشركات تمتنع عن التعامل مع النسيج الاقتصاديّ المحليّ، إذ أنها تشتري مؤنها واحتياجاتها من خارج المحافظة. وإلى جانب الشركات البتروليّة، توجد شركات خدمات رديفة، غالباً ما تكون من خارج المنطقة، والواقع أنها تفوز بطلبات عروض تنافسيّة، لكن يبدو أنّ الشركات المحليّة غير قادرة على منافستها.
انطلاقاً من هنا، يُصبح من مصلحة الرأسماليّ والنقابيّ والعاطل عن العمل التحالف على أسس جهويّة (مناطقية)، إذ يعد المستثمرون المحليّون العاطلون عن العمل بتشغيلهم، وفي هذه الحالة سيصير هؤلاء عمالاً ويضمنون التمثيل النقابيّ لأبناء المنطقة. ويظهر ذلك في المطالب التي يرفعها المحتجون، ومن أبرزها ضمان كوتا من الوظائف لأبناء الجهة لا تقل عن 70%، ومنح الشركات المحليّة الأولويّة في طلبات العروض، إلى جانب فتح مطار عسكريّ في المنطقة للرحلات المدنيّة (يضطر العائدون من المهجر الآن إلى النزول في مطارات بعيدة).

التعامل الرسميّ مع الاحتجاجات

لم تذهب حكومة يوسف الشاهد، حتى الآن، مذهب حكومات سابقة في قمع الاحتجاجات. حيث أكد رئيس الحكومة ووزراؤه على تفهمهم لمطالب المحتجين، لكن لم يفلح الوفد الوزاريّ إلى تطاوين في تهدئة الأوضاع. ودفع تواصل التوتر الشاهد نفسه إلى الذهاب، لكنّه لم يرد التسرّع كي لا يذهب «خالي الوفاض»، كما يقول وزراؤه.
نزل رئيس الوزراء في تطاوين صباح يوم الخميس، واجتمع بممثلين عن المحتجين، بينما بدا أنّ قائمة الـ64 مشروعاً لم تنجح في إقناعهم. لكنّ الشاهد، توجّه قبل ذلك إلى منطقة «بني مهيرة» وأعلن عن تحويلها إلى معتمديّة (وهي رتبة إداريّة أرقى من العمادة وأدنى من الولاية). وقد انقسم المعلّقون في تأويلهم لهذه الخطوة، بين من يقول إنّ ذلك مطلب قديم لأهل المنطقة، وبين من يرى فيها محاولة لشق صفوف المحتجين (حيث ينقسم سكان تطاوين إلى عرب وأمازيغ وتفرعات قبليّة).
مهما يكن الأمر، احتوت قائمة الشاهد جزءاً مهماً من المطالب المرفوعة (ومنها المطلبان المذكوران سابقاً)، لكنها تجنبت نقاطاً من نوع انتداب فرد من كلّ عائلة معوزة، وتخصيص جزء من عوائد النفط لصالح المنطقة، وهي مطالب من شأنها التوسّع إلى محافظات أخرى وفتح باب يتعسّر إغلاقه. تبقى مسألة تواصل الاحتجاجات بنفس الوتيرة والزخم أمراً غير قابل للحسم، لكن يبدو أنّ الحكومة تأمل في كسب أوسع طيف من المحتجين الذين قد تقنعهم إجراءاتها، واحتواء البقيّة، ولو بطريقة أمنيّة.