يحتشد آلاف الجنوبيين يوم غد الخميس في ساحة العروض في عدن، على خلفية إقالة محافظ عدن والوزير هاني بن بريك. الاحتشاد والمشاركة لما يسمّونه المليونية الشعبية، يأتيان بدعوة من مكوّنات تابعة لـ«الحراك الجنوبي» المنخرط مع الجانب الإماراتي، قبالة الطرف الآخر المدعوم من السعودية، وعلى رأسه «شرعية» عبد ربه منصور هادي وحلفائه حزب «الإصلاح» الإخواني.


المفارقة أن الطرف الذي دعا إلى الاحتشاد هو نفسه الذي كان يضع العراقيل وأحياناً يرفض التراخيص، حتى أسابيع خلت، للفعاليات التي كانت تقيمها فصائل من «الحراك» كانت تدعو إلى إحياء المناسبات الوطنية وبث الروح في القضية الجنوبية والاعتراف بعدالتها، فيحللون اليوم ما كانوا يحرّمونه في الأمس.
وتلك الفئة من القيادات الجنوبية، وعلى رأسها المحافظ المقال عيدروس الزبيدي وكذلك الوزير السلفي المقال هاني بن بريك، كانوا قبل تسلّمهم مهماتهم في الإدارات الرسمية من أشد المعارضين لمّا يسمّى الشرعية اليمنية المعترف بها دولياً، وعندما عرضت عليهم قبلوها من دون إجماع وطني وبلا مشروع سياسي سيادي، واضعين نضالهم ونضال الكثير من أبناء الجنوب اليمني في أسفل سلم الأولويات، بل بقوا طوال حكمهم عاجزين عن تقديم أي منجز لشعبهم وقضيتهم.
حتى أبسط القضايا فشلوا في حلها، وهي بالتأكيد كثيرة ومؤلمة. وعندما أقيلوا بدأوا التهديد بفضح ملفات تدين ما يسمى الشرعية بالاستفادة من تنظيم «القاعدة» في مواضع كثيرة، وكذلك وجود أدلة في حوزتهم عن عمليات الاغتيال في الجنوب، في إشارة إلى تحالف الرئيس المستقيل و«الإصلاح».
ورغم أن الإمارات هي الداعم والحاضن الرئيسي لتلك القيادات، لم تقدم أبو ظبي ما يمكن أن يرفع من شأنهم بالمساعدة في تلك القضايا، وإن كان بعضها لا يكلف دولة كالإمارات سوى القليل، كقضية الانقطاع المستمر للكهرباء. مثلاً، حتى تلبّى الاحتياجات في عدن، فإنها تحتاج إلى نحو 500 ميغاوات من الكهرباء، وهي طاقة يمكن للإمارة توفيرها ببساطة. وفي قضية الجرحى الذين أصيبوا في المعارك جنباً إلى جنب مع القوات الإماراتية، فقد تركوا لمصيرهم من دون علاج، وطرد أكثرهم من دون استكمال للعلاج في الرياض والخرطوم ونيودلهي.
يأتي الاحتشاد يوم غد ليس لأن القيادات الجنوبية التي انساقت وراء مناصب عليا في البلد اكتشفت، حتى لو متأخرة، لعبة الشرعية المتآمرة على شعبي الشمال والجنوب، بل لأن تلك القيادت طردت بصورة مهينة، وهي كانت تعلم علم اليقين أن الشرعية مشكلة من أطراف يمنية تتبع جهات خارجية تعمل وفق أجندة بلادها وبرنامج هذه البلاد، ولا تخدم بأي حال القضية الجنوبية.
والبشاعة في الأمر أن تلك الدول الخليجية الراعية لطرفي النزاع في الجنوب، ولا سيما الإمارات والسعودية، تتبع الأساليب الفجة والوقحة في مقاربة وضع المحافظات الجنوبية من دون أي مراعاة أخلاقية ومعنوية للناس الذين صار معظهم يعاني الفقر والعوز جراء السياسيات الخليجية لإبقاء شعب بأكمله رهينة طموحات الأمراء ونزعتهم في التنافس لخدمة المشروع الأميركي في الإقليم.
يتخاصم سكان المحافظات الجنوبية ويسيرون في مظاهرات مندّدة ومحتجّة على قرارات عبد ربه منصور هادي، فيما ركنا «التحالف العربي» (السعودية والإمارات) يصدران شكلياً بيانات تؤكد عمق التحالف بالتضحيات وفق زعمهم، والزعم كذلك أن حلفهم استراتيجي وصلب، فيما الحقيقة المرة أن كل طرف منهما يعمل على امتلاك ورقة الجنوب، وبالخصوص عدن وحضرموت، لما تتمتع به الأولى من موقع استراتيجي ولامتلاك الثانية مخزوناً نفطياً هائلاً، فضلاً عن أنها تدغدغ مشاعر أمراء الخليج في خططهم الطموحة للاستغناء عن مضيق هرمز وباب المندب وتؤمن لهم ممراً إلى البحار العميقة.
أما الحقيقة الأشد مرارة، فهي أن التخاصم السعودي ــ الإماراتي في جنوب اليمن، ولو جُمِّل بتعبيرات الودّ والأخوّة، فإن طرفيه يسعيان إلى إثبات قوتيهما في الإقليم عبره، لعل واشنطن تختار أحدهما وتفضّله على الآخر، وبذلك، هما ليسا سوى أدوات للمشروع الأميركي، كذلك فإن طرفي النزاع المحليين في جنوب اليمن عمال مسلوبو الإرادة والتفكير للوكيلين المتنافسين حتى تحسم واشنطن بينهما. وكل الدلائل تشير إلى أن الأخيرة ليست مستعجلة، بل هي مستفيدة من الوضع الراهن وتعمل على تمديده.
بالعودة إلى فعالية الغد، المتوقع أن يكون الحشد غفيراً وكبيراً نسبة إلى حشود المناسبات الأخرى. ولئن كانت الدعوة من الطرف المحسوب على الإمارات، فإن بقية مكوّنات «الحراك الجنوبي» تستفيد من الفرصة لتصويب المناسبة تجاه الدفع نحو توحيد الحراك وإعادة البوصلة من جديد لإحياء القضية الجنوبية في حلتها القديمة، أي قبل التشظّي والانشقاق والانجرار إلى دهاليز الشرعية المزعومة.