هل تعرفت يوماً إلى معنى العُري؟ هل طلب منكَ السجانون خلع ثيابك قطعة تلو الأخرى؟ ثم أمروكَ وأنت عارٍ كما ولدتك أمك أن تجلس القرفصاء ليتأكدوا من أنك لا تخفي غرضاً في مكان سفلي من جسدك؟

هل مشيت داخل الأروقة المعتمة معصوب العينين، لكن بصيرتك رأت كل شيء؟

هل سمعت يوماً قصة الأسير الذي صادق نملة كانت تسليه في عزله الإفرادي الذي امتد لأكثر من أربعين يوماً؟ هل ربطوا قدميك ومعصميك بكرسي حديدي وبقيت معلقاً فيه لأكثر من يوم أو يومين، ثم أدركت فجأة أنك ولدت من جديد، أو أن لك عمرين: واحداً بدأ يوم تكونت جنيناً في بطن أمك، وآخر لمّا اعتقلت؟
هل اشتقت يوماً أن تمشي فوق التراب، لأن قدميك نسيتا ذلك بفعل خشونة الباطون؟ هل تتخيل أن أحدهم يشتاق لأن يسأله شخص ما في العالم الخارجي/ السجن الكبير: معك فراطة؟!
حدث ذلك، وأكثر، لمئات آلاف الأسرى الذين مرّوا في زنازين العدو. وليد دقة ابن مدينة باقة الغربية في الأراضي المحتلة عام 1948 واحد منهم. هو المعروف بأنه واحد من «جنرالات الصبر» بعدما أمضى 31 عاماً في الأسر، وحكم بالسجن المؤبد مدى الحياة بتهمة خطف إسرائيلي وقتله وحيازة سلاح غير مشروع. أُسر دقة قبل انهيار «جدار برلين»، وقبل «اتفاق أوسلو»، وقبل نهاية «الحرب الباردة»، وقبل أن يتحول جهاز التلفون إلى شكله الحالي، ويصير «تلفون أبو قرص» معروضاً في المتاحف! وبالطبع قبل أن يتحول الوطن العربي إلى كتلة فحم ضخمة.


تحكي ريما سلامة، وهي قريبة الأسير دقة، لـ«لأخبار» أن أكثر ما يحزن الأخير مرض الزهايمر الذي ألمّ بوالدته. «لم تعد تعرفه الآن! في السابق لم تكن تنام قبل أن تحكي معه متخيلةً أنه موجود أمامها، وهي لا تذكر المرة الأخيرة التي احتضنت فيها نجلها، فالحائط الزجاجي قد حرمها حضنه وتقبيله، قبل أن يحرمها المرض تذكّره أساساً».
ريما هي أخت سناء زوجة وليد، والأخيرة هي حكاية بحد ذاتها. ففي عام 1996، تعرفت إليه، ثم تزوجا بعد ذلك بثلاثة أعوام داخل السجن: «عرس غريب» حضره تسعة أسرى، وشيخ عقد القران، وبعض الأهل من أقرباء الطرفين. كانت ناشطة حقوقية وصحافية، لم تتركه وبقيت تزوره مرتين في الشهر وتنقل رسائله إلى العالم الآخر. «أنا كنت وما زلت سعيدة جداً بوجود وليد في حياتي، ولست مستعدة لأن أتنازل أو أفرّط بهذه العلاقة، حتى لو اضطررت إلى انتظاره العمر كله»، كما تجزم سناء.
وليد يحب الأولاد، في إحدى رسائله يقول: «لا أشتاق إلى أي ملذة من ملذات الحياة إلا لمشهدين: مشهد الأطفال الوافدين من كل أنحاء القرية إلى مدارسهم صباحاً، ومشهد العمّال في ساعات الصبح المبكر وهم قادمون متحفزون من كل الأزقة والأحياء...».
دقة يبلغ من العمر اليوم 56 عاماً، أي إن أكثر من نصف عمره انقضى خلف القضبان. حاول جاهداً تحقيق حلمه بإنجاب طفل كان سيسميه ميلاد، لكن قضاة الاحتلال رفضوا، فعندهم «العدل» مفصَّل على «مقاس سكان كوكب زحل». كتب دقة لابنه الذي لم يولد بعد أكثر من مرة. كتب لطفل صار له ملف عند الاستخبارات الإسرائيلية قبل أن يولد: نطفة لها ملف أمني!
الآن، دقة مضرب عن الطعام، ومرّ على إضرابه 19 يوماً، وهو يناضل مع رفاقه ليسمح له السجّان بالتقاط صورة له مع زوجته كل ثلاثة أشهر، وكي يزوره أولاد أخوته أي أقرباؤه من الدرجة الثانية، وكي يعالج بصورة لائقة... وأشياء أخرى بسيطة جاءت في مطالب الأسرى.
ما أبسط أحلامهم! ومع أن وليد من أقدم الأسرى، فقد حُرم كل صفقات التبادل لكونه من فلسطينيي الـ48 ويحمل جنسية إسرائيلية («ملعونة» هذه الصفة).
يروي وليد في إحدى رسائله أيضاً أنه لم يكن مناضلاً عن سبق إصرار وتصميم، وأنه كان يمكن أن يستمر في حياة عادية يتزوج وينجب عشرة أبناء، كما غيره، وربما كان سيستمر في عمله دهّاناً أو عاملاً في محطة وقود... لكنها «مشاهد الحرب في لبنان، المجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا، جثث الأطفال والنساء المتفحمة».
يومئذ، تركته تلك المشاهد مذهولاً ومصدوماً، هذا هو جوهر الإنسان إذن، ومتى توقف عن الصدمة والإحساس بأحزان الآخرين، فإن جوهره سيموت. يقول وليد في الرسالة: «هذا الجوهر بالذات هو المستهدف في حياة السجين على مدار الساعات والأيام، الكائن الاجتماعي والإنسان الذي في قلب كل شخص».
لوليد رفاق آخرون في السجن، واحد منهم اسمه كريم يونس. الأخير ليس أقدم أسير فلسطيني فقط، بل هو أقدم أسير في العالم كله، ولأنه لم نتأكد من وجود مخلوقات على الكواكب المحيطة بالأرض، ولا نعرف إن كان عندهم احتلال وسجون ومعتقلات مثلنا، فيمكن أن يكون يونس أقدم أسير في الكون!
«لن نتراجع عن الإضراب حتى لو لمونا جثثاً». هكذا خاطب يونس قبل أيام سجانيه، وقضاة محكمة العدو، فهو أيضاً يحمل الجنسية ـــ الصفة الملعونة كما وليد، لذلك هو غير مشمول في صفقات التبادل. خاطب أولئك الذين يعدّون أنفسهم قادة حركات مقاومة، وممثلين شرعيين للشعب الفلسطيني، فيما هم لا يمثلون إلا على هذا الشعب. وفي عزّ المعركة، وأحلك الظروف تجدهم يقدمون تنازلات ليست في مكانها، وعلى طبق من ذهب للعدو!
أليس هو من خاطب هذه «القيادات» نفسها ذات يوم قائلاً: «أنا مستعد لأن أقضي مئة عام أخرى في السجون، وأرفض أن نستخدم كوسيلة ضغط سياسي على القيادة الفلسطينية على حساب الحقوق الأساسية والثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني».
اعتقل يونس قبل 34 عاماً بتهمة قتل جندي إسرائيلي وتهريب سلاح للمقاومة، وبعد أكثر من 27 جلسة في أروقة المحاكم، حكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت! قبل أن يستأنف ويُحكم بالسجن المؤبد. لوالدته حكايات كثيرة فقد حفظت أسماء السجون، والشجرات المزروعة في الطرق المؤدية إليها، حفظت شكل الأحجار أيضاً. ومع أنها في سن الـ83، فإن عمرها لا يشفع لها، هي أيضاً تخضع للتفتيش العاري، والإهانة، والذل، والاستفزازات.
يشرح نديم شقيق يونس لـ«الأخبار» أنه «برغم صلابة أخيه وصموده، لا تفارق الأحزان قلب أمي، خاصة في الأعياد، فهي لا تحتمل غيابه، ونحن نودع العيد تلو الآخر، وهو لا يزال أسيراً، وكانت أقسى لحظات عمرها عندما تزوجنا، كل الناس كانت تفرح والجميع يحاول التخفيف عنها، وحتى كريم كان يطلب منها أن تفرح كأنه موجود معنا، ولكن هو قلب الأم الذي لا يتغير».


أكثر ما يحزن الأسير
مرض الزهايمر الذي يلمّ
بوالدته فلا تعود تعرفه


ويضيف: «عندما تزوجت شقيقتي حزنت أمي لأن كريم لم يكن مع والدنا ليمسك بيد أختي ويزفها لمنزل زوجها... إنها تصلي ليل نهار ليطيل الله عمرها وترى ابنها الأسير عريساً».
ليس بعيداً، يقبع 500 أسير مقدسي، هؤلاء لا يختلفون في استثنائهم في صفقات التبادل كما هي حال أسرى الـ48. تشرح زوجة الأسير سامر أبو عيشة، روان، عن خلفيات اعتقاله، قائلة: «تهمته أنه زار لبنان (البلد الذي تعدّه إسرائيل عدواً) للمشاركة في مخيم الشباب القومي». أمّا الزيارة الأخيرة لها، فكانت قبل الإضراب بيوم واحد. تقول: «الزيارة رحلة شاقة تبدأ عند ساعات الفجر، حيث تتجمع عائلات الأسرى في أحد مواقف الباصات خارج سور البلدة القديمة في القدس لنستقل حافلة متوجهة إلى مركز السجن».
وتتابع روان: «سلطات السجون تخضعنا للتعذيب، إذ يجلسوننا في ساحة لا سقف لها يقينا من حر أو يحمينا مطر، لننتظر من ساعة حتى خمس ساعات، بعدها تبدأ إجراءات التفتيش الجسدي العاري لننعم أخيراً بنصف ساعة تكون مليئة بالحنين والأشواق».
وبرغم أنَّ لروان وسامر عشرات المواقف المؤثرة في خلال الزيارة التي تخضع للمراقبة المكثفة، فـ«تشعر بأنهم يحصون أنفاسك». أكثر موقف أذهلها ــ كما شرحت لـ«الأخبار» ــ هو «عندما رأيت في إحدى الزيارات الأسير أيمن الشرباتي المحكوم بالمؤبد يلمس يد ابنته (18 عاماً) لأول مرة في حياته». وتتابع: «ويسألون لماذا يخوض الأسرى إضراباً عن الطعام؟ إنه آخر سلاح بيدهم، فهل يمكن أحداً أن يتخيل أباً محروماً لمسَ يد ابنته؟ هذه إحدى مطالب الأسرى».