رغم أن مكوّنات «الحراك الجنوبي» كانت قد اتفقت على إقامة مسيرة أمس التي جرت في مدينة عدن، جنوبي اليمن، في موقف نادر منذ بدء فعاليات «الحراك» في تموز 2007، فإن الانقسامات سرعان ما طفت على السطح، مبدّدة آمالاً بموقف جنوبي موحّد إزاء تحالف العدوان وحكومة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي.

ولم يخرج «إعلان عدن التاريخي»، الذي صدر عن التظاهرة، عن سياق ما كان يتكرر في الفعاليات الأخيرة لـ«الحراك» الذي قاتلت فصائله تحت راية تحالف العدوان، وتسلمت وجوهُه مناصب في إطار السلطة المحلية الموالية لهادي، إذ أعاد «الإعلان» التشديد على تشكيل «حامل سياسي جنوبي» كان الزبيدي قد دعا إليه قبيل إقالته من منصبه، كما خوّل المحافظ السابق تشكيل هذا الحامل وتولي رئاسته إلى «إدارة الجنوب وتمثيله وتحقيق أهدافه وتطلعاته» من دون تحديد تلك الأهداف صراحة.

أيضاً، لم يطلق البيان مواقف مضادة لتحالف العدوان كما كان متوقعاً أو مأمولاً لدى بعض فصائل «الحراك»، بل كرر تأكيد الشراكة مع السعودية والإمارات، معتبراً إياها «ضماناً لأمن واستقرار المنطقة واستعادة شعب الجنوب لسيادته على الأرض».
وإذ حافظ مصدرو البيان على السقف نفسه في ما يتصل بالعلاقة مع «شرعية هادي»، فإنهم اقتصروا في انتقاداتهم على القرارات الأخيرة التي استهدفت الزبيدي وبن بريك، وهذا ما دفع قيادات وناشطين وإعلاميين في «الحراك» إلى رفض «الإعلان»، معتبرين إياه دليلاً على أن «الصراع صراع مناصب لا صلة له بقضية الجنوب».
من ذلك ما صرّح به القيادي في «الحراك» فادي باعوم، وهو نجل الزعيم الجنوبي حسن باعوم، الذي رأى أن «إعلان عدن التاريخي لم يكن ملبياً لتطلعات شعب الجنوب وقضيته العادلة». وكانت مؤشرات قد تتالت، منذ ليل الأربعاء ــ الخميس، على أن بيان الفعالية لن يخرج عن إطار «الخطابات الكرنفالية» المرضية للسعودية والإمارات و«شرعية هادي».


رفضت تيارات وازنة
في «الحراك الجنوبي»
بنود «إعلان عدن»


وكان قد سبق اختتام التظاهرة اجتماع للجنة التنسيق السعودية ــ الإماراتية ــ اليمنية، التي تم تشكيلها أول من أمس في مدينة جدة السعودية، برئاسة نائب الرئيس المستقيل، علي محسن الأحمر، وحضور ممثلَين عن الرياض وأبو ظبي، أعقبه في وقت متأخر من مساء الخميس ورود أنباء عن تعرض الزبيدي لضغوط إماراتية أرغمته على الاستمرار في الحديث عن «الشراكة مع التحالف العربي والتنسيق معه»، وهو ما فُهم منه وجود اتفاق على احتواء الموقف المتوتر بين الرياض وأبو ظبي، وإبقاء الحراك الانفصالي تحت عباءة «التحالف» و«الشرعية».
وعقب صدور «إعلان عدن التاريخي»، صدر بيان مضاد من تيار باعوم، رفض الاستمرار في المراهنة على تحالف العدوان، الذي يستخدم الجنوبيين لـ«تمرير مشاريعه وتحقيق مصالحه»، مطالباً بـ«سحب أبناء الجنوب كافة من جبهات القتال في الأراضي والجبهات الواقعة خارج حدود الجنوب لمنع نزيف الدم الجنوبي الذي ينزف دون أي فائدة»، وكذلك بـ«إغلاق مكاتب حكومة الاحتلال في معاشيق، وإغلاق مطار عدن أمام رئيس دولة الاحتلال اليمني، ورئيس وأعضاء ما يسمى بحكومة الشرعية». كذلك دعا البيان إلى «إغلاق مقرات حزب الإصلاح اليمني ومؤسساته التجارية ومصالحه باعتبارها المموّل الرئيسي للإرهاب والإرهابيين، ومن أخطر المتآمرين على ثورة وقضية الجنوب».
في ضوء ما حدث أمس، يبدو أن المشهد الجنوبي يتجه إلى إعادة الانقسام، سياسياً، إلى تيارين رئيسين: تيار يتزعمه باعوم، وهو يرفض الاستمرار في التحالف مع السعودية والإمارات وسلطات هادي، وسيحاول التأسيس على الحالة التي ولدتها قرارات هادي الأخيرة لتعزيز «مشروعية» مواقفه واجتذاب المزاج الشعبي باتجاهه... وتيار يتزعمه الزبيدي، ومن ورائه تيار الرئيس الجنوبي علي سالم البيض، سيعمل قريباً على تعويمه كطرف يمكنه الجلوس إلى أي طاولة مفاوضات مقبلة، فيما يجري إسكات مؤيديه كلما انتابتهم موجة اعتراض على سياسات هادي ودول الخليج بـ«خطاب إرضائي»، من قبيل أن «المرحلة المقبلة ستكون مختلفة وسيخوضها الجميع بتلاحم».
(الأخبار)