رجل مقطوع الساقين من فوق الركبتين، بضمادات تحيط بصدره، ينظر بعينين كئيبتين نحو الكاميرا. ضوء «فلاش» قوي يجعل عينيه ترمشان بقوة، بينما ترتسم ابتسامات عريضة على وجوه شبان وفتيات في مقتبل العمر يحيطون بسريره.


أحد هؤلاء نشر الصورة عبر صفحته الشخصية على «فايسبوك»، وكتب فوقها: «مع البطل الشجاع النقيب (...) الذي فقد ساقيه في معارك الشرف».
يبدو البطل واجماً وغير مكترث بالكلمات الكبيرة التي تناوب على قولها هؤلاء الشبان في خلال زيارتهم القصيرة. تلك «الكليشيهات» التي تخبره أنه بات بطلاً وطنياً، ولا يهم أنه سيمضي ما بقي من عمره على كرسي متحرك، ولن يقف ثانية في طابور أمام الفرن، أو يرافق ابنه الصغير في يومه الأول بالمدرسة.
الجندي الجريح بات أيقونة، ولا يسأله أحد إن كان يرغب في تلك الصورة التذكارية أو لا، فهذه لازمة لا مجال لتجاوزها في مجال عمل غالبية الجمعيات والمنظمات «التطوعية».
التقاط الصور مع الجرحى ــ على إغرائه ــ ليس «أكثر إغراءً» من التقاطها في أثناء منح هدية لطفل مهجّر، أو تقديم معونة لعائلة شهيد. وغالباً ما تلتقط الصورة في اللحظة «الحاسمة» التي تمتد فيها يد المتطوع بالمعونة نحو المستفيد، الذي لا يعلم أنها ستكون لحظة اصطياد ابتسامة واهنة لاحت على شفتيه، أو نظرة يتم في عينيه، أو دمعة غادرة سقطت من عين ثكلى.
عشرات المجموعات التطوعية والجمعيات نشطت بعد الحرب، توزّع المعونات والمساعدات على أسر الشهداء والنازحين والجنود على الجبهات. لا أحد يعرف جهات تمويلها، وعلاوة على غياب الضوابط والرقابة على كيفية تصرفها في المعونات والتبرعات، فإن العمل على الأرض كشف فقراً كبيراً لدى الغالبية في ثقافة العمل الإنساني وأخلاقياته.


الجندي الجريح بات أيقونة، ولا يسأله
أحد إن كان يرغب
في تلك الصورة

أمجد بربور، مخرج أفلام وثائقية يعمل على إنجاز فيلم يوثق المشاهدات والممارسات المؤلمة، كما يصفها، من قبل الجمعيات والمنظمات العاملة في الشأن الإنساني، وما تسببه من أذى نفسي لدى الفئات المستفيدة من خدماتها. ويقول في حديثه إلى «الأخبار» إن «هؤلاء المتطوعين يدخلون غرف النزلاء في مراكز الإيواء ودور الرعاية دون استئذان، من دون مراعاة أنها أماكن خاصة لها حرمتها... فيما لا يستطيع صاحب المنزل أن يبدي استياءه من هذا التصرف خوفاً من أن يُحرَم المعونة». ويشرح أن عدداً من تلك الجمعيات «تستخدم المفردات الدينية في خلال إعلان الحملات، ما يضيّق من نطاق الفئة المستهدفة، وحتى إن كان هدفها توزيع المعونة دون تمييز ديني»، موضحاً أن «السلوك المخجل الأكثر تكراراً يأتي بإعطاء علبتي بقوليات لجندي، أو شهادة تكريم لأم الشهيد، وتوثيق هذه اللحظات بالتصوير».
وبينما يبرر العاملون في تلك الجمعيات «اضطرارهم» إلى التصوير بهدف التوثيق، وتقديم الصور أو لقطات الفيديو للمتبرعين، فهم يتجاهلون وجود بديل منطقي، هو تقديم وثائق وفواتير من قبل الجمعية للمتبرع. وإن كان لا بد من التصوير، يمكن تصوير عمليات الإعداد والتوصيل دون توثيق عملية التسليم. علماً بأن سماح صاحب الحاجة لمصور الجمعية بتوثيق لحظة حصوله على المعونة، لا يعني رضاه إطلاقاً.
وبعد أن تفاقم موضوع تصوير المساعدات، وتحوّل إلى ظاهرة مسيئة إلى العمل الإنساني والتطوعي، علت أصوات ناشطين وصحافيين تطالب بصدور قانون يمنع تصوير المساعدات في سوريا. وأمام هذه الدعوات، كانت هناك آراء ترى أن تصوير طفل يبتسم لحظة تلقيه المساعدة، يشكل مؤشراً لنجاح جهود الجمعية، وقد يُسهم في تشجيع أفراد المجتمع على أن يكون لهم دورهم الشخصي أيضاً. فيما رأى البعض أن غياب التصوير والحضور الإعلامي قد يقلل من جاذبية العمل التطوعي لدى الكثيرين، بل قد يلغيه.
يرى علي سلمان (موظف) أنّ «كثيراً من العاملين في هذا المجال لا علاقة لهم بالإنسانية، ولا بأخلاقيات العمل التطوعي، وهدفهم هو الظهور الإعلامي والتسويق لشخصهم فقط»، لافتاً إلى أن رؤساء «جمعيات تطوعية» تحوّلوا إلى «نجوم دائمي الحضور على المحطات التلفزيونية». وهو يطالب بقانون «يجرّم من يسرق المعونات ويوزعها على أقاربه، أو يبيعها للتجار. ومن ثم نجرّم من يتصور مع من يحصل على المعونة فعلاً». بدوره، يصف صفوان قادرو، وهو مصور متطوع في إحدى الجمعيات الخيرية، تصوير المساعدات بالموضوع «الشائك»، لافتاً إلى أنّه «مع التوثيق من دون عرض وجوه» المستفيدين. ويوضح أن «هناك من يستخدم التصوير للبروزة، ولكن هناك من يهدف إلى تشجيع الناس على التبرع، وتوثيق العمل، خاصة في ظل ازدياد حالات سرقة المعونات والمساعدات».