صنعاء | تواجه حكومة الإنقاذ الوطني في صنعاء عدواناً اقتصادياً «يمنياً» لا يقل خطورة ووحشية عن العدوان السعودي ــ الإماراتي المستمر منذ أكثر من سنتين. ففي وقت لا يتردد فيه تحالف العدوان عن استهداف البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية، وخاصة المصانع والمزارع، وبينما تستمر الرياض في إحكام قبضتها على المرافئ والمطارات في البلد الذي كان يعتمد على الاستيراد في 90% من حاجاته الغذائية والطبية، تُمعن حكومة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي في تنفيذ عقابها الجماعي بحق موظفي الدولة، الذين يبلغ عددهم نحو 1.2 مليون، وذلك بعد سحبها البساط من تحت البنك المركزي في صنعاء للشهر الثامن على التوالي.


جراء ذلك، تعاني صنعاء ضائقة مالية كبيرة إثر مصادرة حكومة هادي، التي اتخذت من عدن مقراً لها، كل الإيرادات المالية الحكومية التي كانت تورّد إلى البنك المركزي في العاصمة، وتجميدها أرصدة البنوك المحلية الحكومية والأهلية كافة. وفضلاً عن الابتزاز المالي الذي يمارسه الرئيس المستقيل المدعوم من دول العدوان، يستحوذ «حزب الإصلاح» في مأرب على إيرادات النفط والغاز والضرائب والجمارك (التي تصل قيمتها إلى 10 مليارات ريال يمني شهرياً)، في وقت لا يزال فيه مطار العاصمة مغلقاً.
ومنذ كانون الثاني الماضي، تحاول «الإنقاذ» جاهدة إيجاد حلول عملية لأزمة الرواتب، ولكن دون جدوى، ليبقى مستقبل 1.2 مليون موظف يعيلون 6.9 ملايين فرد مجهولاً.


لم تنجح خطة صرف نصف الراتب على شكل سلع بسبب الشح
ونظراً إلى التداعيات الإنسانية الخطيرة لهذا الملف، وفي سعيها إلى تحييد المدنيين من اليمنيين عن الصراع القائم، دعت صنعاء حكومة عدن إلى الحوار والاتفاق على آلية لصرف رواتب موظفي الدولة بعيداً عن التجاذبات السياسية، لكن الأخيرة رفضت وعرقلت جميع المساعي لإيجاد حل.
من ضمن الحلول المطروحة كان استخدام الأموال التي طبعت في روسيا، التي تقدّر بـ400 مليار ريال (1.3 مليار دولار) لصرف الرواتب، لكنّ «عدن» تجاهلت الطرح وصرفت أكثر من 9 مليارات ريال كمرتبات لموظفين في المناطق الشمالية دون آخرين. وتشير بيانات رسمية حصلت عليها «الأخبار» من «مصرف الكريمي»، وهو المصرف المتعاقد مع عدن والمسؤول عن صرف رواتب موظفي المناطق الموالية للجيش و«اللجان الشعبية» وحركة «أنصار الله»، إلى أن الأموال التي صرفت على الموظفين في صنعاء تبلغ 2.9 مليار ريال فقط، وتوزعت على 41 ألف موظف مدني وعسكري من أصل 800 ألف.
وبعدما تبيّن أن الحوار مع حكومة هادي وصل إلى طريق مسدود، تحاول حكومة صنعاء أن تحل الأزمة عبر طرح عدد من المقترحات، آخرها كان صرف الرواتب وفق آلية نسبية تُقسم الراتب على الشكل الآتي: 30% نقوداً، 20% تحويل رصيد مالي إلى حساب الموظف في التوفير البريدي، و50% على شكل بطاقة تموينية تغطّي احتياجات الموظّف وعائلته من غذاء ودواء. لكن، نتيجة شحّ الموارد المالية، تواجه الحكومة صعوبة في تطبيق المقترح والوفاء بالتزاماتها.
ووفق تقرير صدر أخيراً عن وزارة المالية في صنعاء، وحصلت «الأخبار» على نسخه عنه، يصل العجز في خزينة الدولة إلى 92 مليار ريال شهرياً، إذ إن الايرادات لا تتجاوز 35 مليار ريال، والنفقات الضرورية والحتمية لا تقل عن 127 ملياراً، ما يجعل صنعاء عاجزة عن تسديد رواتب الموظفين المحجوزة، التي تقدّر شهرياً بحوالى 75 مليار ريال.
ولا يتوقّع المراقبون أن يتحسّن الوضع الاقتصادي في صنعاء في ظل مساعي الرياض إلى تشديد الحصار المفروض على الشعب اليمني، ولا سيما بعد العمل على استهداف ميناء الحديدة، وهو المرفأ البحري الوحيد الذي يستقبل 70% من السلع الغذائية المستوردة و80% من الوقود، وتمر عبره المساعدات الإنسانية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين.