غزة | لم تكن مبادرة حركة «حماس» إلى «إغلاق قطاع غزة براً وبحراً» لنحو أسبوعين، بعد اغتيال القيادي القسامي مازن فقها، في الرابع والعشرين من آذار الماضي، إلا ضمن تقدير يفيد بأن القتلة لا يزالون في غزة. وبما أن اكتشاف الاغتيال تم بعد نحو ساعة على تنفيذه، فإن البحث حتماً لم يكن عن مجموعة إسرائيلية نفذت المهمة وبقيت، بل عن «أيدٍ فلسطينية» لا تزال موجودة. رغم ذلك، تمكن جاسوس أساسي من مجموعة التنفيذ ــ التي كان أفرادها يعملون كل على حدة كما أظهرت التحقيقات ــ من الهرب عبر السياج الفاصل إلى فلسطين المحتلة، فيما التقطت «سرايا القدس» (حركة «الجهاد الإسلامي») بالمصادفة اثنين آخرين كانا يهمّان بالهرب، وسلمتهما لـ«القسام»، في ظل تعاون فصائلي كبير أسهم في كشف القتلة، بعد جمع كواتم الصوت في غزة كلها.


ومن المرتقب اليوم، بعد تأجيل ليومين، أن تعلن وزارة الداخلية في غزة تفاصيل وافية عن الاغتيال ومجموعة التنفيذ والدعم، مزوّدة باعترافات مصورة. لكن «الأخبار» علمت أن ثلاثة من المجموعة بدأت محاكمتهم، خاصة المنفذ المباشر أشرف أبو ليلة الذي كان ينتمي سابقاً إلى «حماس» وتحوّل إلى السلفية الجهادية، علماً بأنه سُجّلت عليه قضايا قتل خلال أحداث سابقة لكنه بقي طليقاً، وكذلك الحال بالنسبة إلى البقية التي يعمل عدد منهم في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، ولهم يد في تنفيذ اغتيالات سابقة بحق مقاومين في «القسام» و«السرايا»، وفق مصادر أمنية تحدثت إلى «الأخبار».
إعلان القبض على القاتل المباشر، وأفراد من المجموعة، جاء بعد 47 يوماً من اغتيال فقها، وعملياً تم إلقاء القبض عليهم بالتسلسل بعد عشرة أيام من التنفيذ. يصف مصدر أمني الاغتيال بأنه «بالغ التعقيد ومتشابك الخيوط»، إذ شكّل «الشاباك» الإسرائيلي أفراداً ضمن خلية لا يعرف أعضاؤها بعضهم بعضاً، موزّعاً مهمات مختلفة على كل منهم. عدد أفراد المجموعة عشرة، بمن هرب، ستة هم «طاقم الاغتيال»، وقد خُلص إليهم بعد اعتقال العشرات من المشتبه فيهم (تبيّن من بينهم عملاء قدماء أيضاً بالمصادفة). يضيف المصدر: «هناك 4 متخابرين مع الاحتلال كانوا الأداة الأكثر قرباً من موقع تنفيذ الجريمة، منهم أبو ليلة (30 عاماً) الذي باغت فقها أثناء ركنه سيارته في المرأب بإطلاق 5 رصاصات من كاتم صوت استقرت 4 منها في جسد الشهيد، والأخيرة اخترقت باب السيارة».
وكان أبو ليلة قد تردد إلى مكان التنفيذ عدة مرات، وهو قد فُصل أخيراً من «القسام» بسبب «قضايا أخلاقية»، علماً بأن المصدر نفسه أقرّ بأن هذا الشخص قتل نحو أربعين شخصاً في الانقسام الداخلي من دون أن يُحاكم! أما المتخابر الرئيسي الثاني (هـ. أ.)، فكان «المشرف على الاغتيال»، ومهمته تصوير سكن فقها و«تضليل الكاميرات المحيطة في المكان»، مشيراً إلى أنه يوم الاغتيال «شهدت سماء القطاع تحليقاً مكثفاً لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية».
أما العميل الثالث (ع. ن.)، فيحمل رتبة ملازم في حرس الرئاسة في السلطة الفلسطينية، وكُلّف بمراقبة منزل فقها قبيل التنفيذ بساعات، إلى أن جاءه اتصال من الإسرائيليين يخبره بضرورة مغادرة المكان، لكنه بقي في سيارته يتابع ماذا سيحدث. والأخير أقرّ خلال التحقيق بأنه متخابر مع العدو منذ سنوات، وأنه أحد المتورطين في عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسّس «حماس» عام 2003، كما أبلغ عن منازل مقاومين آخرين. والعميل الرابع (ف. م.)، كانت مهمته متابعة الاغتيال، فيما الخامس (أ. أ.) مهمته كانت أخذ المسدس الكاتم للصوت من أبو ليلة.
وعلمت «الأخبار» أنه بدأت محاكمة ثلاثة من المتخابرين، أبو ليلة و(هـ. أ.) و(ع. ن.) عسكرياً وفق القانون الثوري، علماً بأن الأول حاول سحب اعترافه خلال الجلسات، كذلك أقرّ بأنه تحوّل إلى الفكر السلفي وأقنع آخرين بأنهم يعملون على الانتقام من «حماس» ولم يظهر إطار الجاسوسية لإسرائيل.