بدا الغروب في مدينة حمص السورية مختلفاً أمس. طوت ساعات النهار خلفها ملامح آخر مسلحي المدينة، الذين مضوا من آخر أحيائها المتمردة: الوعر. مع انطلاق الحافلة الرقم 12 من الدفعة الأخيرة للمسلحين الخارجين من الحي، برفقة عائلاتهم، انفرجت أسارير الكثير من الحمصيين؛ فبين بدايات 2012 وهذا اليوم العديد من الذكريات الحزينة التي أحالت نهارات المدينة إلى ظلام الموت والعنف.


المسلحون وعائلاتهم غادروا الحي الواقع إلى الغرب من مركز مدينة حمص، والذي يفصله عن بقية أحيائها مجرى نهر العاصي، ما يجعله مدينة خارج المدينة، بمثابة حمص جديدة. ينفي مسؤولو المدينة كل المخاوف حول تغيير ديموغرافيا الحي، بفعل مغادرة بضعة آلاف نحو ريف إدلب وجرابلس الحدودية، إذ إن عشرات الآلاف من أبناء الحي، إضافة إلى نازحين إليه، فضّلوا البقاء في الوعر، في انتظار عودة خدمات الدولة السورية إليه. ويرى محافظ حمص، طلال البرازي، أن اتهامات الدولة بالتغيير السكاني غير صحيحة، في ظل استقباله 4 دفعات للعائدين إلى الحي، رغم تحركهم مع الخارجين منه نحو مدينة جرابلس. آخر تلك الدفعات ضمّت 11 عائلة، بينهم أطفال ونساء ورجال، وسط تسهيلات حكومية للعائدين وتشجيعهم. يمثل البرازي صوت الدولة السورية في احتضان الراغبين في العودة إليها، وتقديم الخدمات للأحياء التي تعود إلى سيطرتها تباعاً، إضافة إلى استفادة 140 مسلحاً من مرسوم العفو الرئاسي خلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقط. يأتي ذلك وسط انتقادات ينالها الرجل بين الحين والآخر، ولا سيما أن ملف المفقودين والكشف عن مصيرهم ما زال عالقاً، على الرغم من طيّ صفحة العنف في حمص أخيراً.
ورش المحافظة بدأت بترحيل الأنقاض وإزالة السواتر الترابية، تمهيداً لعودة الحي إلى الحياة الجديدة، فيما تقوم اللجان الحكومية بتقييم الأضرار في الحي، بهدف وضع خطة لاحقة لإعادة تأهيل المواقع المتضررة. وكان وزير الداخلية اللواء محمد الشعار قد زار الحي، قبل أيام، وتفقد وحدات الشرطة المتمركزة على أطرافه.
وبخروج الدفعة الأخيرة من الحافلات، عبر معبر الشؤون الفنية، والتي تضم 1050 شخصاً، بينهم 380 مسلحاً وجهتهم مدينة جرابلس، و1100 شخص، بينهم 360 مسلحاً وجهتهم إدلب، يكون قد بلغ عدد حملة السلاح المغادرين للحي ما يقارب 5 آلاف شخص، إضافة إلى عائلاتهم، وسط تقديرات رسمية لعدد سكان الحي الإجمالي، والذي يصل إلى 50 ألف نسمة، في حين حصل قرابة 1000 من حملة السلاح على وثيقة «كف بحث»، مستفيدين من مرسوم العفو الرئاسي لتسوية أوضاعهم والبقاء في حيّهم. وبذلك يفتح باب الحي أخيراً أمام الكثير من أبنائه الذين طووا صفحة غربتهم عن حيّهم، واستكملوا التحضيرات للعودة إلى منازلهم وتفقّد أملاكهم، بعدما هُجّروا منها مع بدء خروج الحي عن سيطرة الدولة قبل 4 أعوام.