بعد مخاضٍ عسير وطويل استمر ١١ شهراً، أصدرت محكمة بحرينية حكمها يوم أمس في قضية الشيخ عيسى قاسم، واثنين آخرين، بالسجن سنة واحدة مع وقف التنفيذ ثلاث سنوات، إضافة إلى مصادرة أموال الخمس في حسابات الشيخ قاسم البنكية، وغرامة مالية تبلغ ١٠٠ ألف دينار.


خلافاً للذاهبين نحو تبريد النار، يتوقع ناشطون أن يكون هذا الحكم مادةً جديدة لإعادة تعويم شكل المواجهة المفتوحة بين النظام والمعارضة في البحرين، وذلك بعدما وضع النظام نفسه مرة أخرى في مأزق «مرير» بالاصطدام المباشر مع المرجعية الدينية المحلية، وبعدما اتضح أن الخسران بات يحكم رهانه العجول على رضوخ الشيخ قاسم للنفي الطوعي، وحيث كان يأمل أن يسري الانهيار التدريجي في صفوف المواطنين الذين اعتصموا بجوار منزل الشيخ في بلدة الدراز المحاصرة. وبهذا التصوير المكثف، فإن قيادات في المعارضة لا تتردّد في اعتبار قرار المحكمة «هزيمة ساحقة» للنظام، وأنّ «اختبار» الاعتصام في الدراز حقق انتصاراً «جديراً» على كلّ وسائل الإكراه والتذويب التي مورست لإرهاق المعارضة والحراك الشعبي طيلة الفترة الماضية.


أجمعت المعارضة
بكل أطيافها على اعتبار
الحكم «جائراً»


في الوقت نفسه، فإن المعارضة بكل أطيافها أجمعت على اعتبار حكم المحكمة «جائراً»، وشكّل إدانة مباشرة وصريحة للمعتقد الديني، وهو ما جعل أربعة من كبار علماء البلاد، بينهم السيد عبدالله الغريفي، يعبّرون عن شعور بـ«الصدمة الكبرى» بعد صدور الحكم، مؤكدين أنه يمثل «إدانة للطائفة»، ما دفعهم إلى الدعوة، غير المباشرة، إلى استمرار الحراك الشعبي من خلال دعوتهم إلى مواصلة «المواقف السلمية» ضد هذا الحكم. وفي معزل عن الآمال التي كان يُقال إن السيد الغريفي كان يُشجّع الحكومة على الذهاب إليها، وخصوصاً بعد حرص الأخير المتكرّر على ترسيخ خيارات «المصالحة والحوار مع النظام»، إلا أن أوساطاً قريبة من التشكيلة العلمائية الوازنة في البلاد تذهب إلى أن هناك اعتقاداً متراكماً ترسّخ لدى العلماء مؤدّاه أن فعالية «الحراك الشعبي» أثبتت جدواها في الإخلال بمعادلة القمع، وتفريغ إجراءات الترهيب والحصار من مؤدّاها الوظيفي، وهي نتيجة من المرجّح أن تدفع العلماء إلى إعادة التفكير في وسائل مخاطبة العقل الرسمي «الذي تجاوز كلّ الخطوط الحمراء»، وأثبت أن النظام القائم ليس «سوى شرذمة وعصابة حمقاء»، كما قال الباحث المعروف السيد كامل الهاشمي في بيان عقب صدور الحكم، وشدّد فيه على ضرورة التخلُّص من الرؤية التي تتعاطى مع النظام وكأنه «حكومة حقيقية وعاقلة».
في خارطة المواقف المندّدة بمحاكمة الشيخ قاسم، لا يمكن تجاوز حقيقة أن هناك اشتباكاً مباشراً حصل مع الخيوط الإقليمية المعقدة. ولعل الاحتياج العميق الذي كان يتصبّر عليه النظام في البحرين، كان يتجمّع في الجهة التي يُنتظر فيها علوّ المزيد «من الضوء الأخضر الأميركي والبريطاني»، ولا سيما مع عجز الداعم السعودي عن توفير الرافعة المجدية للنظام البحريني، مع صعود التنافرات السعودية في الداخل، وبالتوازي مع «عبثية» نفوذ آل سعود في الخارج. إلا أن آل خليفة وجدوا أنفسهم مكرهين، ولا شك، للانحناء تحت السقوف التي سمعوها من البريطانيين والأميركيين في الأيام الأخيرة، حيث يتحدث معارضون عن «بلاغ» مباشر تم إيصاله إلى النظام وفحواه أن مشروع إعادة انتشار الوجود الأميركي والبريطاني في الخليج، والبحرين خصوصاً، لا يتحمّل «العواقب المؤكدة والجدية» التي تتجهز من داخل الحدود وخارجها، في حال المضيّ، حدّ تكسير كلّ الخطوط في المواجهة مع الشيخ قاسم، وهو ما دفع الخبراء البريطانيين على وجه الخصوص إلى توفير «صيغة مضللة» تؤمّن للنظام في البحرين شيئاً من «الهيبة»، ولكن من غير الوقوع في «المصيبة الكبرى» وانفلات الوضع كلّه. وعلى هذا النحو، فإن الحكم الصادر ضد الشيخ قاسم يُشبه «الجمرة الخبيثة»، ويهدف في الدرجة الأولى إلى تفريغ الحماسة من الشارع المعارض، ونزْع «مبرر» استمرار الاعتصام في الدراز، الذي اعترفت وزارة الداخلية بأنه أصابها بالتعب، ووعدت إدارات المآتم الحسينية الذين استدعتهم الوزارة عقب صدور الحكم بأن الشيخ قاسم لن «يُمس» في حال إنهاء الاعتصام وفضّه نهائياً.
في الحدود الضيقة التي يتحكم فيها حاكم البحرين، وبما لم ينفعه لقاء دونالد ترامب في السعودية من الخروج منها، فإنه غير بعيد أن يُكررالحاكم سيناريوات سابقة فعلها مع المعارضة في العقود الثلاثة الماضية، وبينها تكتيك «الميثاق» وإنهاء «الأزمة» التي يزداد النظامُ الخناق والاختناق فيها. إلا أنّ قيادات المعارضة، داخل السجن وخارجه، لن تعود «إلى الوراء» بهذه السهولة، فقد أخرجَ آل خليفة في أقل من عام مضى ما لا يمكن التفاوض على تسويته على طاولات الإنقاذ الاضطراري، أو وفق سياسة المصالحات التي يُراد منها مداواة القاتل من دائه المزمن.