تشهد تونس تبدلات كثيرة، مقارنة بما كانت عليه في الأعوام التالية لـ«ثورة 2011»، وبالأخص مقارنة بما كانت عليه في عام 2013 الذي يُعَدّ مفصلياً؛ إذ شهد أشدّ أزمة سياسية كان من شأنها إطاحة المرحلة الانتقالية من نظام بن علي وحكمه، باتجاه التأسيس لنظام سياسي ديموقراطي. وقد تُصنّف التبدلات بأنها سلبية، خاصة في ظل تزايد مؤشرات الانكفاء العام عن الاهتمام بالشأن السياسي والغرق أكثر في مسائل الحياة اليومية بالنظر إلى الوضع الاقتصادي ذي المؤشرات السلبية.


ومن باب محاولة قراءة المشهد التونسي، فلعله بات من البديهي الافتراض أنّ انتخابات 2014، بشقيها التشريعي والرئاسي، لم تُنهِ، ولو رمزياً، المرحلة الانتقالية كما كان مأمولاً، بل زادت من عقباتها ووضعت عراقيل إضافية أمامها. ويبدو ذلك واضحاً في تقرير «مجموعة الأزمات الدولية» الأخير، إذ يقول في بدايته: «إنّ التوافق السياسي الذي جرى التوصل إليه بعد انتخابات 2014، نجح في إيجاد استقرار للمشهد السياسي التونسي، لكنه بدأ يبلغ حدوده» في الوقت الراهن. ويضيف التقرير في مقدمته: «إذا كانت مدائح المجتمع الدولي لتونس، لا تتراجع، في وقت يطغى فيه هدوء نسبي على البلاد برغم من السياقين الإقليمي والدولي غير المشجعين، فإنّ الشعور بغموض المشهد السياسي أصبح ينتشر أكثر فأكثر».


بينما يستشري
الفساد فإنّ ضعف
الأحزاب يعزز اهتراء
الواقع السياسي

إشارتا التقرير تدفع بداية إلى طرح فرضية أخرى تقوم على فكرة أنّ انتخابات 2014 جرت في إطار ديموقراطي، لكنها في الأساس كانت تُعبّر عن صراعات بين أقطاب من زمن ما قبل 2011: كانت أقطاب تتنازع على مقدرات ماكينة «حزب التجمع» (حزب بن علي، المنحل)، على غرار «نداء تونس» الذي نجح زعيمه في حسم هذا الصراع؛ بينما كانت أطراف أخرى تسعى إلى تثبيت حضورها المجتمعي في مختلف أرجاء البلاد، على غرار «النهضة».
وفي نتيجة لهذه الانتخابات «غير الديموقراطية»، فلا أحد يحكم اليوم، والأسباب عدة: أولاً، ما يُسمى «الائتلاف الحاكم» يبدو أنه لا يدير إلا خلافاته الداخلية، خاصة في ظل التفكك المتواصل لـ«نداء تونس» الذي خرج فائزاً في استحقاق 2014؛ ثانياً صراعات «النفوذ الاقتصادي» لم تُحسم، وهي تُعرّي صراعات المتنفذين الاقتصاديين الكبار، إلى درجة أنه أصبح الحديث العام عن خلافات «مثلث مدن الساحل وصفاقس ومدن الداخل» عادياً في الشارع التونسي. حتى أنّ تفسير الإشكالات السياسية والاقتصادية يُختزل لدى البعض بهذا المنظار.
ومن العوامل التي تسعّر احتقان صراعات النفوذ وتجعل الفساد متفشياً، أنّه «منذ سقوط النظام الاستبدادي، كان الفاعلون الاقتصاديون يحاولون وضع أيديهم على مفاصل الإدارة، إذ يريدون تحقيق تعاون مع الموظفين الذين يشغلون مناصب مهمّة، ما يمكّنهم من التحكم في الحصول على القروض وعلى الصفقات ومساندة الشخصيات السياسية التي تتبنى هؤلاء الموظفين الإداريين. وهذا ما يفسر التوترات السياسية والاجتماعية أكثر من الانقسامات الإيديولوجية (ولا سيما بين الإسلاميين ومناهضيهم) التي تعطي ذرائع لهذه التوترات أكثر مما تفسرها»، يقول تقرير «مجموعة الأزمات».
وبينما يتزايد استشراء الفساد في المؤسسات وفي السياسة، فإنّ ما يعزز حالة اهتراء الواقع السياسي أنّ الأحزاب في مجملها (باستثناء «النهضة» نسبياً)، لم تعد تُعبّر عن الشارع، وهي بغالبيتها لم تعد تقدّم لهذا الشارع «عروضاً سياسية» أصلاً. على سبيل المثال، إنّ حركة «مانيش مسامح» الرافضة «مشروع قانون المصالحة» الذي يطرحه الرئيس الباجي قائد السبسي لإعادة دمج المتنفذين السابقين (لا بل التطبيع معهم برغم كل التبريرات المقدّمة)، تلقي الضوء على الحالة الهامشية التي باتت تعيشها أحزاب عريقة (على الرغم من أنّ نص مشروع المصالحة مع تلك الشخصيات يوجب قراءة تقنيّة له، لكنّ متابعاً يقول إنّ السبسي يردّ الدَّين لهؤلاء، بعدما ساندوه في انتخابات 2014).
«الأحزاب تتعرى» بتعبير بعض الفاعلين، في وقت أنّ تسميات الأحزاب الجديدة ما زالت تغرق في الأدلجة وفي إيهام الناس بالمشاريع، وفي محاولة إيهامهم بأنّ مجرد تغيير الواجهة (الفيترينة) من شأنه تغيير أوضاع البلاد!
وقد تبدو صورة الأحزاب أوضح حين يكون الحديث عن الحركات الاحتجاجية والمطلبية المتواصلة في مختلف المناطق، خاصة أنه يصعب على الأحزاب تكريس سيطرتها ضمن هذه التحركات. وبصورة مثيرة للاهتمام، قد تلقي تلك التحركات الضوء أيضاً على أنّ العاصمة السياسية (تونس) لم تعد تحتكر بصورة كبيرة صوغ الأطر السياسية للحياة العامة. ومن هنا قد يمكن القول إنّ التحركات الاحتجاجية والمطلبية باتت، بصورة ما، تُحاصر تقاسم السلطة السياسية القائم راهناً.
«المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» يشير في تقريره لشهر نيسان/أفريل الماضي إلى أنّ «من بين الأحداث المهمة التي برزت بنحو جلي خلال هذا الشهر، كان تطور الاحتجاجات الاجتماعية في المناطق الداخلية.... (وبسبب) الأوضاع الاجتماعية التي هي في حالة اهتراء شامل، فيكفي أي سبب ــ ولو كان واهياً ــ أن يفجر الغضب ويحوّله إلى حالة احتقان فاحتجاج ضمني واحتجاج ميداني، ومن ثم إلى اعتصامات وغلق طرقات وعنف ومواجهات مع الأمن، لينتهي الأمر إلى شكل من أشكال العصيان المدني». ويشرح التقرير أنّ «الاحتجاج في هذه المناطق (الداخلية) كان فعلاً كلياً، تجاوز الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات. فهو فعل اجتماعي وجماعي بامتياز، وكل الذين يرفضون رؤية ذلك من هذه الزاوية يواصلون حرث الرمال».
«حرث الرمال»! عبارةٌ قد تختصر نقاشات عدة قائمة حالياً، في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات في محافظة تطاوين الجنوبية، وقد أدت أمس إلى مقتل محتج، وشهدت إطلاق قنابل الغاز من قبل قوات الأمن، وفق ما قال الإعلام الحلي. ويأتي هذا التصاعد في حركة الاحتجاج بعد أيام من قول الرئيس التونسي إنه قد يلجأ إلى الجيش للتهدئة (وصف البعض ذلك بأنه «بيان رقم 1» من قبل الرئاسة، لكن للإشارة فإنّ هؤلاء يدورون في فلك شخصية سياسية كانت قريبة من السبسي، وهي توسّع نفوذها الآن بالاعتماد على المساندة من دولة الإمارات وغيرها).
السبسي نفسه بدأ يفقد السلطة تدريجاً: أولاً ضمن «نداء تونس» الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات وكرسه أداة لاكتساب الحكم (يُعدُّ دور نجله إحدى أبرز أزمات الحزب، فهو يبدو من بعيد كمن يريد إعادة تجربة جمال مبارك في مصر)، وثانياً إنّ الرئاسة لم تعد قادرة على إنتاج نموذج حكم شبيه بما كانت عليه تونس ما قبل 2011، أو بالأحرى إنّ السبسي لم يلقَ في قصر قرطاج الرئاسي الذي دخله عام 2014 كنتيجة لدعمه من قبل «ماكينة النظام السابق» وبفعل التوافق الثنائي الذي توصل إليه مع زعيم «النهضة» راشد الغنوشي، السلطة التي كانت فيه في ما قبل 2011، خاصة بعدما أسهمت عوامل عدة في تعرية خصوصيات «دولة الاستقلال» وآليات حكمها حتى «عام الثورة».
وفي ظل ما يشهده حزب الباجي قائد السبسي (النداء) من تمزقات داخلية وانشقاقات، فإنّ «النهضة» من جهتها، تواصل تمددها الأفقي في البلاد وفي المجتمع، بصورة تماثل تمدد أحزاب عقائدية (خاصة إسلامية)، عبر المؤسسات والسطوة العقائدية. (إضافة إلى ذلك، فإنّ الشبكات الإقليمية للحركة تسجّل تطوراً وتوسعاً كبيرين، يصل البعض إلى الحكم عليه بأنه بات «أضخم» من شبكات الدولة!). وقد يُسهم هذا الواقع في تحقيق «حلم» زعيم «النهضة» راشد الغنوشي، بتبوّء الرئاسة التونسية قريباً، على الرغم من العوائق أمام ذلك.
ويبدو أنّ السبسي يضعف إلى درجة أنه أصبح يمكن رئيسةَ هيئة حكومية أن توجّه صفعة سياسية إليه. ووفق البعض، فإنّ هذا ما فعلته رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين، يوم الجمعة الماضي، حين واجهت مساعي السبسي في ما يخص «مشروع المصالحة» من خلال بث هيئتها على التلفزيون الرسمي شهادة مصورة لعماد الطرابلسي، ابن شقيق ليلى الطرابلسي زوجة بن علي الثانية وأحد رموز فساد الحقبة السابقة، بشأن تغلغل الفساد في النظام السابق. وقد أثار ذلك ضجة عارمة، فيما قال موظف كبير سابق في الدولة التونسية: «إنها ضربة قمار ناجحة قامت بها بن سدرين ضد مشروع السبسي». وتأكيداً لذلك، قالت رئاسة الحكومة أمس، إنّ وزير العدل قرر «بإذن من رئيس الحكومة يوسف الشاهد، إشعار النيابة العمومية بفتح تحقيق في ملابسات وظروف تصريحات عماد الطرابلسي».
هذه الصورة (القاتمة في أجزاء منها)، التي تشجّع البعض على إعلان صراحةً «الحنين إلى زمن بن علي» (تجد ذلك حتى عند بعض الموظفين العموميين)، تخترقها عوامل تفاؤل عدة. فيوم الأحد مثلاً، نجح شباب كان في الصفوف الأولى «لثورة 2011» في اكتساح انتخابات نقابة الصحافيين، برغم كل الضغوط والحروب التي واجهوها... وهذا ــ وحده ــ كفيل ببعث الأمل من جديد.