«لا حول ولا قوة إلا بالله... الناس لن تجد مياه الشرب فضلاً عن الأكل... آخر واحد خارج يطفئ النور... مصيبة... كارثة». هذه عبارات لا نسمعها عادة من رجال الأعمال، لكنها خرجت منهم على نحو عفوي لتسلّط الضوء على حالة الصدمة عقب قرار البنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة.


وكان مجتمع المال والأعمال على موعد مع مفاجأة جديدة من البنك المركزي مساء أول من أمس، إذ لم يكن أحد يتوقع رفع تكاليف الاقتراض، ولا أن تكون الزيادة بمقدار 200 نقطة (أساس دفعة واحدة)، في خطوة ألقى رجال الأعمال باللوم فيها على صندوق النقد الدولي. لكن البنك المركزي عزا قراره إلى محاولة السيطرة على التضخم السنوي والوصول به إلى مستوى في حدود 13 في المئة في الربع الأخير من 2018، إذ كان التضخم السنوي قد قفز في المدن إلى أعلى مستوى له في ثلاثة عقود بعد قرار تعويم الجنيه في تشرين الثاني الماضي، وسجل 31.5 في المئة في نيسان الماضي.
ورفع البنك المركزي خلال اجتماع للجنة السياسة النقدية التابعة له سعر الفائدة على الودائع لأجل ليلة واحدة إلى 16.75 في المئة من 14.75 في المئة، ورفع سعر فائدة الإقراض لليلة واحدة إلى 17.75 في المئة من 15.75 في المئة. وكان 13 من بين 14 خبيراً اقتصادياً استطلعت «رويترز» آراءهم الأسبوع الماضي توقعوا أن يُبقي البنك على أسعار الفائدة من دون تغيير، فيما قال مسؤول حكومي إنّ «القرار متوقع منذ فترة... إذ إنها توصيات صندوق النقد للسيطرة على التضخم».
ووفق «رويترز»، فإنّ البنك المركزي المصري يحاول «تحقيق توازن صعب بين دعم النمو واحتواء التضخم، لكن القرار الأخير «يعطي أولوية واضحة لمكافحة ارتفاع الأسعار» الذي بات الشغل الشاغل للمصريين، غير أن البعض يبدي تشكّكه في نجاح استخدام آلية رفع الفائدة لهذا الغرض». وتساءل مسؤول مالي في حديثه إلى «رويترز»: «لماذا نرفع الفائدة؟ التضخم علاقة بين عرضين، عرض السلع والخدمات وعرض نقدي، ولخفضه لا بد من زيادة السلع أو تقليل عرض النقود. لا توجد سيولة أصلاً حتى نمتصها. ما حدث يخلق فجوة تضخمية أخرى، (خاصة) أنّ أحداً لم يشتك من أسعار الفائدة الموجودة حتى نقوم بزيادتها!».
واتخذت الحكومة في أواخر 2015 سلسلة إجراءات قالت إنها تهدف إلى «احتواء ارتفاع أسعار» السلع الأساسية، خاصة بعد «تعويم الجنيه»، واستخدمت شاحنات الجيش ووزارة التموين لتوزيع المواد الغذائية بأسعار مدعمة، بجانب زيادة عدد المتاجر التي يديرها الجيش وتحديث جميع المتاجر التابعة لوزارة التموين. لكن أسعار السلع الأساسية لا تشهد أي تراجعات منذ نحو عامين، بل تسجل قفزات متتالية. وعلّق رئيس «غرفة الصناعات الغذائية» في «اتحاد الصناعات» على القرار قائلاً: «الأكيد أنه سيرفع تكلفة الصناعة، ما سيكون له أثر في زيادة الأسعار». ورأى أنّ «حركة السوق ستتباطأ أكثر».
من جهة أخرى، وصف رئيس «المجلس التصديري للصناعات الغذائية»، هاني برزي، قرار البنك المركزي بأنه «مفاجأة غير سارة وضربة موجعة للاستثمار ويزيد من عبء الاقتراض ويضغط على الموازنة العامة للدولة»، معتبراً أنّ «كل الدول في حالة الركود تتجه إلى خفض سعر الإقراض لتشجيع الاستثمار بدلا من الادخار». وفي لغة سيطرت عليها حالة الصدمة من القرار، قال علاء سبع من «غرفة السيارات باتحاد الغرف التجارية» إنّ «القرار يعالج التضخم بالتضخم... ما يحدث تهريج، إذ إنّ الأسعار ستتضخم مرة أخرى»، مضيفاً «لا أعلم كيف يُقدمون على مثل هذه الخطوة؟ كيف يمتثلون لكل طلبات الصندوق؟».
وكان رئيس بعثة صندوق النقد الدولي لدى مصر، كريس غارفيس، قد شدد في وقت سابق من هذا الشهر، على ضرورة كبح التضخم. وكان وفد من صندوق النقد زار القاهرة نهاية نيسان الماضي لإجراء مراجعة بهدف تقييم جهود «الإصلاح». وفي بيان «مشجّع» إلى حدّ كبير صدر يوم الجمعة، قال الصندوق إن البرنامج شهد بداية جيدة، وإنه وافق مبدئياً على صرف الشريحة الثانية من القرض البالغة قيمته الإجمالية 12 مليار دولار «لدعم الإصلاحات الاقتصادية».
(الأخبار، رويترز)