القاهرة ــ الأخبار

يبدو أن السلطات المصرية استخدمت «سلاح» خالد علي نفسه لتقضي على الطموح السياسي للرجل، ألا وهو: «القانون». فكما انتزع الحقوقي البارز ورفاقه حكماً من المحكمة الإدارية العليا بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، وكما وقف مرات عدة للدفاع عن المعتقلين السياسيين في السجون بعد «ثورة 25 يناير»، قررت الحكومة المصرية أن تنقله من الدفاع إلى خانة الاتهام هذه المرة. أما التهمة، فهي «فعل خادش للحياء العام».

القصة ببساطة أنه بعد صدور الحكم المذكور ببطلان التنازل عن السيادة المصرية عن الجزيرتين، احتفل علي ورفاقه أمام مقرّ المحكمة، والتقطت له صورة حين كان مرفوعاً على الأكتاف تظهره يرفع إصبعه الوسطى في الهواء، وهو ما استغلّه البعض للتحريض ضده وضد عمله باسم «الأخلاق والحياء».
أمس، خرج علي من الاحتجاز بعد إخلاء سبيله من دون أن يخضع لمزيد من التحقيقات كما كان مفترضاً، وهو بانتظار جلسته أمام محكمة الجنح العاجلة يوم الإثنين المقبل، بعدما أحالت النيابة تهمته عليها، في واحدة من أسرع القضايا التي تحدّد جلسة لها.
لكن القصة تبدو أعمق من ذلك، فالمحامي الذي قدّم البلاغ ضد علي هو سمير صبري، المعروف بقضاياه التي لا تؤخذ على محمل الجدّ، خاصة أنه تقريباً يرفع دعوى كل يوم في المحاكم المصرية تحت عنوان «الوطنية» أو «الشرف»، لكن السلطات أخذت خطوته هذه المرة بجدّية، وانتهزت الفرصة كما يبدو لتلقّن المحامي «المشاغب» درساً طويل الأمد.
وعلمت «الأخبار» أن تحريات المباحث التي أجرتها الشرطة المصرية وسلمتها للنيابة العامة، وجّهت إلى الحقوقي المصري اتهامات بـ«محاولة زعزعة الاستقرار والتحريض ضد نظام الحكم، ومحاولة وارتكاب فعل فاضح وخادش للحياء في الشارع».


يمنع القانون المدانين
بأحكام «مخلّة» من ممارسة حقهم السياسي

وقالت تحريات المباحث إن «واقعة الإشارة الخارجة من خالد علي مثبتة بالفيديوات والصور»، كما أكد خبراء في اتحاد الإذاعة والتلفزيون «صحتها»، فيما استندت النيابة بقرار الإحالة على توجيه الاتهام إلى خالد وطلب معاقبته من المحكمة وفق قانون الإجراءات الجنائية، الذي تتراوح عقوبة الإدانة فيه بين الحبس والغرامة.
وفي حال صدور الحكم بإدانة علي ــ وهو أمر بات شبه مؤكد ــ سيمثل الحكم عائقاً قانونياً أمام ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في أيار 2018. وكان علي قد أعلن بصورة غير مباشرة قبل أشهر مشاركته في السباق الرئاسي، ما أثار حفيظة مؤيدي الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي ينوي الترشح لولاية ثانية.
والقانون المصري يمنع المتهمين المدانين بأحكام «مخلّة بالشرف» من ممارسة حقهم السياسي لمدة عشر سنوات، وهو ما يبعد علي عن السباق لدورتين على الأقل. كما يتوقع محامون أن يُحكم بالغرامة على المحامي الشهيركي يُسجّل الاتهام في سجل حالته الجنائية، بالإضافة إلى منعه من الترشح لأي منصب سياسي برلماني أو رئاسي.
وخلال جلسة التحقيق التي خضع لها مساء أول من أمس، رفض الحديث والإجابة عن أسئلة المحقق، مطالباً بإثبات أن التحقيق معه يأتي لكونه من فريق الدفاع عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير، وهو المطلب الذي تم تسجيله بالتحقيقات، كما أكد أنه سيجيب عن أسئلة المحقق عندما يعلم بتفاصيل الاتهام ضده.
وشهد أمس توافداً لعدد من المحامين والناشطين للتضامن معه. وقد برز اسم علي، صاحب المسيرة الطويلة في النضال السياسي والحقوقي، في الشارعين المصري والعربي، بعد تصدّيه بداية العام الماضي مع فريق من المحامين لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين مصر والسعودية، التي تتضمن التنازل المصري عن الجزيرتين لمصلحة الرياض، وهي الاتفاقية التي تمكن علي ورفاقه من الحصول على أحكام ببطلانها من القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا.
كذلك حقق علي قبولاً لدى الأوساط الشعبية مع الرفض الشعبي للاتفاقية التي صاحبتها أكبر احتجاجات في ظل حكم السيسي العام الماضي، وتم القبض في ذلك الوقت على مئات الشباب قبل أن يحصلوا على براءات من القضاء تباعاً بكفالات مالية. وأظهر المحامي خلال اللقاءات التي أجراها في الآونة الأخيرة نضجاً سياسياً، وذلك بعدما تحوّل خطابه إلى القانون والأرقام، وليس الهتافات الثورية التي عرف بها خلال «25 يناير».
وظهر واضحاً وجود تعليمات بمنع التطرق إعلامياً في مصر إلى ملاحقة علي، إذ تم تجاهلها في غالبية وسائل الإعلام المصرية التي أفردت مساحات واسعة لتغطية نشاطات السيسي. وكان الرئيس قد أعلن، خلال افتتاح مشاريع جديدة في دمياط أول من أمس، قبوله دعوة لحضور تخريج أول دفعة من أكاديمية تدريب الأطباء عام 2020، وهي الدعوة التي استدركها بتأكيد أن ذلك «مرتبط ببقائه في السلطة حينئذ».