الجزائر | غادر رئيس الوزراء الجزائري (الوزير الأول) عبد المالك سلال، مكتبه «في قصر الدكتور سعدان» في الجزائر العاصمة أمس، بعد خمس سنوات قضاها على رأس حكومات متتالية لم تقدّم أي منها حصيلة أمام المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، ولينتهي بذلك ــ ولو مؤقتاً ــ عهد الجزائر مع وزير أول حوّل النكات والمزاح إلى سياسة تواصل قائمة.


وعيّن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أمس، وزير السكن عبد المجيد تبون، رئيساً للوزراء خلفاً لعبد المالك سلال. وجاء التعيين بعدما كادت القراءات السياسية تُجمع على أنّ سلال سيُكمل مهماته على رأس حكومة (سادسة) كان من الواجب تشكيلها عقب انتهاء الانتخابات التشريعية الأخيرة. واستندت تلك القراءات إلى واقع أنّ سلال قاد بنفسه المشاورات الممهدة لتشكيل الحكومة المقبلة، والتي اصطدمت برفض «حركة مجتمع السلم ــ حمس» (أكبر حزب إسلامي ذو خلفية إخوانية في الجزائر) المشاركة فيها. وبعيداً عن أسباب وخلفيات قرار «حمس»، يبقى الرفض في حد ذاته نقطة تُحسب ضد سلال الذي فشل في تحقيق التوازن السياسي النسبي الذي كان مأمولاً من التشكيلة الحكومية المقبلة، خاصة أنّ صعوبات كثيرة تنتظرها، وبالأخص في ما له علاقة بضرورة مواصلة «سياسة ترشيد النفقات» في ظل تراجع مداخيل المحروقات.

سلال بين الشعبية والشعبوية

وبالعودة إلى الحكومات المتعاقبة التي ترأسها عبد المالك سلال منذ 2012 عندما عُيِّن خلفاً للأمين العام لـ«التجمع الوطني الديموقراطي» (ثاني أكبر حزب موالٍ) أحمد أويحيى، فمن الصعب تقديم تقويم دقيق نظراً إلى غياب أرقام وإحصاءات واضحة لنشاطات الوزارات المختلفة. لكن مع تعاقب التشكيلات الحكومية، بدا من الواضح أن الوزير الأول لا يتحكم بشكل كامل في أعمال وزرائه، إذ سبق أن دخل أعضاء حكوماته المتعاقبة في سجالات حادة وفي تصريحات متناقضة أمام الرأي العام وعلى صفحات الجرائد. وهي وضعية أجبرت عبد المالك سلال على لعب دور رجل الإطفاء في أكثر من مناسبة بطريقة غلب عليها الهزل والتنكيت، الأمر الذي أفقده صورة «رجل الدولة» برغم تكوينه الإداري ومساره الطويل في المناصب الحساسة.
وألصق سلال بنفسه صورة كاريكاتورية عن «السياسي الشعبوي» الذي يصعب على المتتبع لتصريحاته تبيان الجدي منها من الهزلي. وقد دفع ذلك الساحة السياسية، موالاةً ومعارضةً، إلى انتقاد تصريحات لسلال الذي صار يصنع الحدث في كل مرة عبر نكتة أو مزحة وعبر خروجه المتكرر عن النص، في وقت أنّ وضعية الجزائر السياسية والاقتصادية تستوجب خطاباً أكثر جدية، وفق منتقديه.
ولم تأتِ ردود الفعل فقط من جانب الفاعلين في الساحة السياسية، إذ شكّل الوزير الأول السابق بالنسبة لشعب الجزائري حالة خاصة من حيث طريقة تواصله وتصريحاته وكيفية كلامه مع المواطنين التي امتزجت فيها الشعبية بالشعوبية. وقد عُرف عنه إطلاق وعود مطمئنة وتصريحات عاطفية لتهدئة الجبهة الاجتماعية، خاصة عند اقتراب كل استحقاق انتخابي. وبلغ به الأمر حدّ تشجيع الشباب على الزواج بأموال قروض البنوك التي منحتها الدولة في إطار مشاريع الوكالة الوطنية لدعم الشباب وتشغيلهم، وذلك خلال الحملة الانتخابية للعهدة الرابعة لرئيس الجمهورية في 2014 (أمرٌ وضع البعض بعد 3 سنوات أمام ديون متراكمة).
ورغم العيوب الكبيرة التي تحسب على طريقة سلال في التواصل، فإنّ شخصيته لاقت قبولاً عند فئة معيّنة من الشعب الجزائري التي سئمت الرسميات والحواجز الكثيرة التي تفصل بينها وبين المسؤولين الآخرين.

الصراع مع أويحيى

من جهة أخرى، طغت في الأشهر القليلة الماضية سجالات سياسية (صامتة ومعلنة)، فرضها اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في 2019. ورغم تفادي عبد المالك سلال الحديث عن أي طموح شخصي له في خلافة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فإنّه وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع مدير ديوان رئاسة الجمهورية والرجل القوي أحمد أويحيى، إعلامياً وفي الصالونات المغلقة. فقد وجّه أويحيى سهامه أكثر من مرة إلى أداء حكومة سلال، ليمثّل ما بدا أنه صراع ثنائي مادة دسمة لوسائل الإعلام وحقلاً خصباً لكل التكهنات والقراءات السياسية المستقبلية. وهو «صراع» حسمته رئاسة الجمهورية وفق ما نقلت جريدة «الخبر»، إذ طلب مستشار رئاسي منهما وقف التشنج الحاصل والتزام الهدوء والرويّة في التصريحات، ليأتي بعدها مباشرة مغادرة عبد المالك سلال لمنصبه.
وقد يمكن اعتبار تعيين وزير السكن عبد المجيد تبون، على رأس الحكومة المقبلة «نصف مفاجأة» لأن اسمه كان متداولاً منذ أكثر من عام، إلى جانب اسم وزير الداخلية نور الدين بدوي، بينما كان يشاع مراراً بأنّ سلال مرشحٌ للمغادرة.