■ ما هي مطالب الحراك الشعبي تحديداً ولماذا ينحصر هذا النضال في الريف؟


مطالب الحراك الشعبي متعددة، أولها تحقيق العدالة في قضية مقتل الصياد محسن فكري المروّع بعدما دهسته شاحنة نفايات (في تشرين الأول/اكتوبر 2016)، وثانياً إلغاء الظهير الملكي (مرسوم) الذي يعود لعام 1958 والذي يُعلن الحسيمة، أي كامل الريف الأوسط آنذاك، منطقة عسكرية.

والجدير ذكره في هذا السياق أن وزير الداخلية المغربي أعلن في الآونة الأخيرة أمام حشد من القادة الريفيين المنتخَبين أن هذا الظهير قد أُلغي بموجب مادة في ظهير آخر صادر عام 1959. ولكن ذلك غير صحيح، فمنذ متى يُلغى ظهير بهذه الأهمية بموجب مادة غامضة في ظهير آخر؟ إنّ هذا الادعاء هو استهتار بعقول الناس.
ومن مطالب الحراك الأخرى بناء مستشفى حقيقي قريب، لا يكون مجرد مكان ينتظر فيه المرضى ساعة الموت، ومستشفى خاص بطب الأورام نظراً إلى النسبة المرتفعة للمصابين بالأمراض السرطانية بسبب قصف الإسبان للمنطقة بغاز الخردل إبّان حروب الريف (1921 ــ 1927) وإلقاء المغرب قنابل النابالم في المنطقة بعد الاستقلال. كذلك، يطالب الحراك بإنشاء جامعة ومعاقبة العنصريين الذين تعيّنهم الدولة في الإدارة العامة وقوى الأمن في الريف، إضافة إلى فكّ الحصار عن هذه المنطقة المهمشة، بالرغم من زيارة الملك السنوية وصور «السلفي» التي يأخذها هناك والتغطية الإعلامية المكثفة لها. ما يريده الريفيون هو الكفّ عن تهميشهم والاستماع إلى الشكاوى التي يحملونها وتفهمها. ببساطة، هم يريدون أن يكون التفاوض معهم، لا مع الطبقة السياسية المحلية الفاسدة والذليلة.

■ للريف تاريخ طويل من الكفاح ضد الحكومة المركزية، فما الذي يميّز حراك الاحتجاج الحالي؟

ما يميّز هذا الحراك، بخلاف حركة 20 فبراير التي وُلدت إبّان «الربيع العربي» الشهير، هو أنه مكوّن بالتحديد من أهالي الريف والبربر، وله مرجعية سياسية وتاريخية متمثلة بمحمد بن عبد الكريم الخطابي، المعروف باسم عبد الكريم، رئيس «جمهورية الريف» التي لم تدم طويلاً (1921 ــ 1926). وأخيراً، يتمتع هذا الحراك بقائد لا منازع له هو ناصر زفزافي الذي غالباً ما يتوجه إلى قواته بالأمازيغية الريفية (وهو بات منذ مساء الجمعة مطلوباً رسمياً من قوات الأمن). كذلك، فإنّ «الحراك الشعبي» هذا يتوجه مباشرة إلى الملك، لا إلى المسؤولين الأدنى رتبة، ويحمّله مسؤولية مآسي الريف. ومن المعروف أنه غالباً ما تُحمَّل الحاشية مسؤولية المشاكل على نحو خبيث من أجل صون سمعة الملك.

■ تتهم الحكومة المتظاهرين بأنهم أدوات بيد أعداء خارجيين يريدون النيل من «وحدة أراضي البلاد»، فما حقيقة هذا الادعاء؟ هل هذه التهمة هي محاولة لنزع الشرعية عن الحراك؟

إن لم تستحِ فافعل ما شئت! هذه التهمة القديمة لم تعد تخدع أحداً. ففي المغرب، إذا لم تقدّم فروض الطاعة كغيرك، تُتهم تلقائياً بأنك عميل للجزائر أو لجبهة «البوليساريو» أو لإسبانيا عندما تكون العلاقات مع هذه الأخيرة سيئة، وهي ليست كذلك حالياً. فحقيقة الأمر أنّ كل الريفيين في الخارج، في إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وغيرها، متضامنون مع «الحراك الشعبي».
من الذي يتهم الحراك بأنه حركة انفصالية؟ إنه رئيس الحكومة المغربية الحالي سعد الدين العثماني. ومن هو سعد الدين العثماني؟ إنه وزير فاشل (لم يتولّ منصب وزير الشؤون الخارجية إلا لبضعة أشهر) وسياسي إسلامي في حزب العدالة والتنمية، لا يحظى بشعبية حتى في تياره السياسي، وقد أصبح رئيساً للحكومة بفضل تعيينه من قبل الملك وقبول «إخوانه» بالأمر على مضض.

■ لماذا يُبقي النظام المغربي على الوضع الاستثنائي في الريف؟ هل في ذلك رفض للمطالب الشعبية أم عجز عن تلبيتها؟

هذا هو السؤال الأساسي. يؤكد محمد اليعقوبي، والي جهة طنجة ــ تطوان ــ الحسيمة، الذي قلما يزور المنطقة، أن العسكرة غير موجودة فيها، وهي من نسج الخيال. إلا أن كل من يزور المنطقة يقع كل 5 أو 10 كيلومترات على حاجز لقوى الدرك، وهي شرطة ذات طابع عسكري. فضلاً عن ذلك، إذا لم تكن هذه المنطقة عسكرية، فلماذا لا يُلغى ظهير عام 1958 بكل بساطة؟ فإن خطوة كهذه قد تحمل دلالات مهمة في هذا الشأن. أما في ما يتعلق بتلبية المطالب الشعبية، فأدعوكم لمشاهدة مقطع الفيديو الذي يُظهر اثنين من قادة القبائل الريفية (بني بوفراح وبني جميل) يضربان متظاهرين سلميين بالهراوات ويهددانهم بهتك أعراضهم. لا بل إن قائد بني جميل اتُّهم في تقرير لصحيفة «لوتان» (Le Temps) السويسرية بابتزاز سكان منطقته. لذا، يجب احترام الريفيين قبل الادعاء بتحقيق مطالبهم.


يعاني المغرب من سبات عام يمنع الناس من الاستنكار والثورة


■ ما هي القوى السياسية التي تدعم هذا الحراك؟ هل وصلت المطالب الشعبية الريفية إلى مرحلة النضج السياسي؟

إنّ قوة «الحراك الشعبي» تكمن في عدم تبعيته لأي حزب سياسي. فهو يستمد قوته من الشارع ومن الريفيين الذين لا يترددون بإغلاق محالهم والتوقف عن العمل والخروج إلى الشارع وتنفيذ تعليمات الحراك بحذافيرها. حتى إن اليسار المتطرف، ومع أن نياته كانت حسنة، لم يتمكن من الانضمام إلى حراك الريفيين. أما في ما يتعلق بالنضج السياسي، فلا شك أن المطالب الاجتماعية البحتة التي ينادي بها الحراك قائمة على أساس سياسي. فالريفيون يشعرون وكأنهم قد استيقظوا من كابوس طويل، مطالبين بـ«الانفصال عن المخزن». كذلك، فهم لا يعترفون بالطبقة السياسية الريفية التابعة للنظام الملكي ولحزب الأصالة والمعاصرة، وهو الائتلاف السياسي الذي أسسه مستشار الملك، فؤاد عالي الهمة، والذي فشل الكثير من كوادره، مثل رئيس مجلس جهة الحسيمة محمد بودرا، ورئيس مجلس المستشارين عبد الحكيم بنشماس ورئيس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة والأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة إلياس العماري، في التعامل مع الأحداث. وقد ثبت انعدام تأثير هؤلاء في الريف، إذ إن أحداً لا يعترف بهم.

■ كيف ترون مستقبل هذا الحراك؟ هل بإمكانه كسب تأييد مجمل المجتمع المغربي؟

أعتقد أن هذا الحراك سيستمر. فإن تهديدات الوالي محمد اليعقوبي، وهو أحد رجال مستشار الملك فؤاد عالي الهمة، بقمع من يعتبرهم «قادة الحراك» قد أدت في الواقع إلى رصّ الصفوف. أما في ما يخصّ مجمل المجتمع المغربي، فأنا لا أعتقد أنه سيحرك ساكناً. فالمغرب يعاني من سبات عام يمنع الناس من التفكير والاستنكار والثورة. انظروا مثلاً إلى وزير الداخلية الحالي عبد الوافي لفتيت وسلفه محمد حصاد. لقد ارتبط اسم هذين السياسيين الفاسدين بفضيحة هائلة واتُّهما بالاستحواذ على أراضٍ تابعة للدولة في أحد أغلى أحياء المغرب بأثمان بخسة، ولم يتحرك أحدٌ لمواجهتهما. كذلك، ارتبط اسم الملك وأصدقائه في فضيحة «وثائق بنما» وفي تسريبات حسابات مصرف «إتش إس بي سي» غير الشرعية، ولم يتحرك أحدٌ ضدهم أيضاً. فكما قال ناشط مغربي شهير يقيم في الولايات المتحدة، على موقع «يوتيوب»، يبدو أن المغاربة مخدّرون بمادة مجهولة مدسوسة في الماء الذي يشربونه يومياً.

■ جرى تغيير اسم ساحة محمد السادس إلى «ساحة الشهداء» تزامناً مع التركيز على أهمية عبد الكريم الخطابي كشخصية تاريخية وبطل في المقاومة، فهل يحمل الحراك في طياته رفضاً لقدسية الملك؟

بالنسبة إلى الريفيين الذين يعلّقون في منازلهم صور محمد بن عبد الكريم الخطابي، وعلم «جمهورية الريف»، فإن المرجعية السياسية الوحيدة تبقى محمد بن عبد الكريم الخطابي. كذلك، فإن هؤلاء يتقبلون السلالة العلوية ولكنهم لا يكنّون أي محبة لها. فالريفيون لم ينسوا أن السلطان العلوي مولاي يوسف، جد الملك الحالي، هو الذي شن الحرب، بالتعاون مع المارشال هوبير ليوطي، المقيم العام الفرنسي للمغرب، ضد عبد الكريم في العشرينيات، وهم لم ينسوا أيضاً أن محمد الخامس وولي عهده الحسن الثاني هما من قصف الريف بالنابالم عام 1958 وسمحا للجنود باغتصاب عشرات النساء وقتلهنّ. وأخيراً، لم يسامح الريفيون الطاغية الراحل الحسن الثاني على قتله الآلاف منهم عام 1984 ووصفهم بالأوباش. وبالتالي، يمكن تفهم أسباب قلق الدولة المغربية. فبين هذه الأخيرة والريف حسابات كثيرة لم تُحسم بعد، وقد يؤدي ذلك إلى انفجار الوضع يوماً ما.