دمشق | لم تدخل حرية الصحافة وتطوير أدواتها ضمن أولويات العمل الحكومي السوري، طيلة سنوات خلت. ولم تكن مشكلة «الفائض» التي واجهها الإعلام الحكومي مؤخراً، سوى تجسيد حقيقي لعمق الأزمة الإعلامية التي تشهدها البلاد. غير أن زيارة رئيس مجلس الوزراء عماد خميس مبنى وكالة «سانا» الإخبارية، قبل أيام، تأتي في سياق الاستجابة لحملة مطالبات شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي، عبر نداءات موحدة لصحافيين وناشطين بالتوقف عن المسّ بالعمل الإعلامي.


رئيس الحكومة، وخلال زيارته تلك، أكد على حرية الإعلامي «الذي يمارس دوره بشفافية»، مكرّراً حرص الحكومة على صون حرية الإعلام «الحقيقي». وخلال الزيارة ذاتها، وعد خميس بتطوير أدوات الإعلام الرسمي ليكون مرجعاً، مشيراً إلى «ضرورة تفعيل التنسيق المشترك بين مكونات الدولة السورية ووسائل الإعلام الوطنية». زيارة خميس تأتي بعد أيام على احتلال مصطلح «هيبة الدولة» أحاديث الشارع السوري، على إثر تسريب كتاب موجه من وزارة العدل، ممثلة بتوقيع الوزير هشام الشعار يستهدف الحرية الإعلامية. العاملون في الشأن الصحافي والإعلامي، إضافة إلى ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي، تضامنوا معاً للمطالبة بتوضيح فحوى الكتاب ومسوغات إصداره.


زيارة خميس «سانا» تأتي بعد احتلال مصطلح «هيبة
الدولة» أحاديث الشارع

وكان الكتاب المذكور قد جاء استجابة لكتاب سابق من رئاسة الحكومة، صادر قبل أكثر من شهر، يتضمن دعوة وزارة العدل إلى «إعداد مذكرة تفصيلية حول ما تتناوله بعض الوسائل الإعلامية الخاصة وبعض إعلاميي الإعلام الرسمي من قضايا تستهدف العمل الحكومي». وبحسب الكتاب الوزاري ذاته، فإن هذه الممارسات الصحافية المزعومة «تستهدف العمل الحكومي وتساهم في إضعاف هيبة الدولة والانتماء الوطني لدى المواطنين». وللمرة الأولى، وإثر تضامن الجهود الإعلامية في البلاد، التي تعاني من تقييد العمل الصحافي، فقد نشط اتحاد الصحفيين في الاستيضاح، بعد تعاظم القلق من هدف الكتاب المذكور. وجاء اجتماع رئيس اتحاد الصحفيين موسى عبد النور مع الوزير الشعار سريعاً، لطمأنة الصحافيين، عبر تأكيد وزير العدل على أن الحكومة مع حرية الإعلام «المسؤولة». ونفى الوزير في حينها، بحسب تصريحات إعلامية نقلها عبد النور، قدرة أيّ كان على «التعرض لعمل الإعلامي، في ظلّ القوانين والأنظمة السورية التي تكفل له ذلك». عبد النور أوضح أن الكتاب المسرّب ما هو إلا «كتاب تراسل بين رئاسة الحكومة ووزارة العدل، بهدف مراسلة مؤسسات الدولة، لمعرفة القضايا والمواضيع التي تستهدف العمل الحكومي، وهو ما لا يعني وضع خطوط حمراء على العمل الإعلامي». وقوف اتحاد الصحفيين إلى جانب العاملين في الشأن الصحافي داخل البلاد، شكّل نقطة تحوّل، أحرجت المسؤولين الحكوميين وألزمتهم بتوضيحات متواصلة، وبعودة خجولة عن المعنى الواضح لكتاب وزارة العدل. وبحسب رئيس اتحاد الصحفيين موسى عبد النور، خلال حديث خاص إلى «الأخبار»، فإنها ليست المرة الأولى التي يقف فيها الاتحاد إلى جانب الصحافيين، إذ سبق أن تمّ ذلك عند مشكلة «الفائض» التي واجهت العاملين في الإعلام الرسمي. وأوضح عبد النور، الذي يعمل وفق واجبات الاتحاد الذي يرأسه بالدفاع عن الصحافيين، أنه اطلع على المراسلة بين وزارة العدل ورئاسة الحكومة، ليصار لاحقاً إلى اجتماع مع وزير الإعلام رامز ترجمان، لمناقشة الأمر. وبحسب عبد النور، فقد جرت المطالبة، من خلال وزارة الإعلام، بـ«سحب هذا الكتاب من التداول أو المتابعة، من غير أن تترك له أية مفاعيل أُخرى أو مراسلات». وفي إجابة على سؤال حول إمكان تفاعل القضية في الأوساط الإعلامية، توقع عبد النور المزيد من التطورات في هذا الملف، مستغرباً صدور مثل هذه الكتب والقرارات، في ظلّ وجود قوانين واضحة، منها: قانون اتحاد الصحافيين، وقانون الإعلام رقم 108 لعام 2011، إضافة إلى الدستور السوري الذي يكفل حرية الإعلام. ويعقّب قائلاً: «المحظورات في العمل الإعلامي محددة وفق القانون. وهذه الكتب لا ترقى إلى قوة القانون. وقد أثرت على الإعلاميين، الذين شعروا من خلالها تهديداً لعملهم الإعلامي».
ومن المتوقع أن يُثار الملف مجدداً خلال جلسة مجلس الشعب القادمة، والتي ستعقد خلال أيام، في محاولة من بعض النواب للضغط على الحكومة، بهدف عدم الاصطدام مع السلطة الرابعة. غير أن النائب الصحافي نبيل صالح علّق على الأمر بقوله: «إن لم يوافق النواب البعثيون على اتخاذ إجراءات مؤثرة، فما الذي يمكننا فعله؟». وأشار إلى أن توضيح وزارة العدل لا يشكل انتصاراً للصحافة في سوريا، إذ إن بنية الخطاب الحكومي لا تتغير، ما لا يعد بالتفاؤل. ومع ذلك فقد أكد النائب السوري على ضرورة تسجيل موقف تحت قبة البرلمان، والمطالبة عبر قنوات قانونية باعتذار الحكومة عن خطأ كبير ارتكبته بحق الإعلام، مستغرباً مرور مثل هذه الكتب والقرارات الحكومية الخاطئة على المستشارين الإعلاميين والقانونيين للوزراء.