صحيح أن ردَّ الفعل الإسرائيلي على قرار تأجيل نقل السفارة الأميركية إلى القدس، اتّسم بـ«خيبة الأمل»، التي عُبِّر عنها على ألسنة العديد من المسؤولين الإسرائيليين، لكن هذه الخيبة هي بالقياس إلى الآمال المعقودة على «دونالد ترامب المرشح»، وأيضاً على الرئيس غير الناضج والمدرك للمعادلات والتداعيات لخطوة من هذا النوع. لكن إذا ما قيس هذا القرار إلى أجواء محاولات استئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني، فهو قرار مفهوم حتى بالمعايير الإسرائيلية، وإن جرى تجنب التعبير الرسمي المباشر عنها حتى الآن.


لا شك أن المسؤولين الإسرائيليين يتمنون ويأملون نقل السفارة الأميركية اليوم قبل الغد. وهو هدف يسعون إليه على الدوام. في المقابل، عمد المرشحون الأميركيون إلى توظيف هذه القضية في حملاتهم الانتخابية. وعندما كان يتصدى أحدهم لمسؤولية الرئاسة، لا يلبث أن يتراجع وينكفئ. وحتى الآن، بدا أن هذا المفهوم انطبق على الرئيس ترامب، من دون ضمانة أن يستمر هذا التأجيل إلى نهاية ولايته الرئاسية. خاصة أنّ بموجب القانون الأميركي، يقوم الرئيس بالتوقيع على تأجيله كل ستة أشهر، منذ عام 1995.
بغض النظر عن الآمال والأماني الإسرائيلية، يُعَدّ قرار التأجيل مؤشراً قوياً على المساعي التي تبذلها إدارة ترامب لدفع «مسيرة التسوية». في المقابل، تدخل مجموعة من العوامل في خلفية وصف بنيامين نتنياهو للقرار بأنه «مخيّب للآمال». هو بذلك يُعبِّر عن موقف مبدئي لمعسكر اليمين، ويرى فيه خطوة باتجاه نقل مفاوضات التسوية نحو مرحلة جديدة. ومن جهة أخرى، يحاول من خلال تظهير الشعور بالخيبة أن يؤكد حقيقة موقفه أمام جمهور اليمين وفي مواجهة منافسيه من داخل المعسكر الذي ينتمي إليه.
على خطٍّ موازٍ للخيبة العارمة، يُلاحظ أن كافة المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم المتشددون في تأييد نقل السفارة الأميركية، وفي هذه المرحلة بالذات، حرصوا على عدم إطلاق مواقف انتقادية أو استفزازية. ويعود ذلك إلى نهج رسمي تعتمده حكومة نتنياهو بعدم توتير العلاقة مع الرئيس ترامب، وعدم التسبب بأن تبدو إسرائيل كمن يعرقل عملية التسوية. ويراهن نتنياهو من خلال هذا التكتيك، على الدفع نحو إحدى نتيجتين: إما خضوع السلطة لسقفه السياسي، أو أن تبدو أمام إدارة ترامب، كمن يعرقل عملية التسوية. من هنا، كان حرص نتنياهو على أن ينص في بيانه الصادر باسمه على أنه «رغم خيبة الأمل من عدم نقل السفارة في هذا الوقت، تعرب إسرائيل عن تقديرها لتصريحات ترامب حول الصداقة والتزام نقل السفارة في وقت لاحق». ومع أن ترامب وقّع على قرار التأجيل، إلا أن النظرة الإسرائيلية لشخصية ترامب، تجعلهم يراهنون على إمكانية نقل السفارة في عهده.
مع ذلك، فقد عبَّر نتنياهو فعلاً عن حقيقة رؤيته للرسائل الكامنة في نقل السفارة وأثرها في عملية التسوية، بالقول إن قرار التأجيل «يبعد السلام، لكونه يُسهم في إحياء الوهم الفلسطيني بأن لا علاقة للشعب اليهودي ودولته بالقدس». ينطوي هذا الموقف على رؤية دقيقة للاستراتيجية التي يتبعها نتنياهو في مواجهة الطرف الفلسطيني الرسمي. ويبدو أنها تقوم في أحد أركانها على محاولة دفع أنصار التسوية في الوسط الفلسطيني إلى اليأس من إمكانية تحقيق السقف السياسي الذي يرون أنه يسمح لهم بترويجه داخل الشعب الفلسطيني. وينطلق هذا الخيار من تقدير مفاده أنّ رهانات السلطة محصورة بما تمارسه الإدارة الأميركية من ضغوط على إسرائيل، ونتيجة ذلك، في حال حَسمِ الإدارة موقفها من مسألة محددة ستتعامل معها السلطة على أنها أمر واقع لا مفر منه، وستحاول صياغة خطابها السياسي بما يتلاءم مع هذه الوقائع. أما في حال امتناع الإدارة عن بعض الخطوات، فهي تغذي بذلك ــ بنظر نتنياهو ــ رهانات السلطة وتدفعها إلى التمسك ببعض مواقفها «المتواضعة». مع ذلك، إن تحوّل تأجيل السفارة الأميركية إلى «إنجاز» لدى طرف و«خيبة» لدى طرف آخر، يعكس عمق الحضيض الذي بلغه خيار التسوية مع إسرائيل.
في كل الأحوال، يؤكد تأجيل نقل السفارة، قراراً أميركياً ببقائه سيفاً مصلتاً على السلطة الفلسطينية. وعاجلاً أو آجلاً، ستبادر الإدارة الأميركية إلى تنفيذه، سواء مع صيغة تسوية ما، أو من دونها... وكل ما في الأمر الآن أن إدارة ترامب قدّرت أنَّ توقيت تنفيذ القرار ليس ملائماً.