تدخل الأزمة الخليجية يومها العاشر، بعد قرار المقاطعة السعودية والإماراتية لقطر، في غياب تام لأي مؤشرات إلى انفراجة قريبة قد يشهدها جدار التوتر المتفاقم. بل على العكس من ذلك، شكّل خبر وصول وفد عسكري تركي إلى الأراضي القطرية، قالت رئاسة الأركان التركية أمس إن هدفه إجراء عمليات الاستطلاع والتنسيق، دلالة على أن الخلاف الخليجي مرشح لمزيد من التصعيد في مقبل الأيام.


وقالت رئاسة الأركان التركية، في بيان، إن الوفد مؤلف من ثلاثة أشخاص، وسيقوم بعمليات الاستطلاع والتنسيق المتعلقة باستعدادات نشر قوات تركية على الأراضي القطرية، وفق الاتفاق المسبق بين البلدين، الذي صادق عليه الأسبوع الماضي كلّ من البرلمان التركي والرئيس رجب طيب أردوغان.
الأخير، وفي حديث أمس إلى أعضاء حزبه الحاكم (العدالة والتنمية)، جدد رفضه لعزل قطر، واصفاً قرارات السعودية والإمارات والبحرين ومصر ضد الدوحة بـ«عقوبة الإعدام». وقال أردوغان إنه «خطأ فادح للغاية يرتكب بحق قطر... فرض عزلة شاملة على أي شعب أمر لا إنساني ومخالف للقيم الإسلامية. كما لو كان حكماً بالإعدام صدر بحق قطر»، ودافع عن الدوحة معتبراً أن «قطر اتخذت أكثر المواقف حسماً ضد تنظيم (الدولة الإسلامية) الإرهابي إلى جانب تركيا. اضطهاد قطر بحملات تشويه لا يخدم أي هدف».


أغلقت الدوحة مصنعيها لإنتاج الهيليوم بسبب المقاطعة السعودية


دعوة أنقرة إلى التراجع عن قرار «حصار قطر» تقاطع معها موقف طهران التي جددت على لسان وزير خارجيتها، محمد جواد ظريف، الدعوة إلى حل النزاع الخليجي. ورأى ظريف أنه «من المهم لمنطقتنا ليس فقط حل هذا النزاع تحديداً، أو الخلاف بين جيراننا الجنوبيين في الخليج الفارسي من خلال الحوار، بل في الواقع إقامة آلية دائمة للمشاورات والتحادث وحل النزاعات في منطقتنا».
إلا أن الحديث عن «حصار قطر» رفضه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، الموجود في واشنطن، في زيارة تستهدف مناقشة الأزمة مع قطر. وشدد في خلال محادثات مع نظيره الأميركي ريكس تيلرسون على أن السعودية «لا تفرض حصاراً» على قطر، عادّاً الإجراءات المشتركة مع أبو ظبي ضد الدوحة «معقولة»، وأن كل فعلته السعودية «أننا حرمناهم من استخدام أجوائنا، وهذا حقنا السيادي». ولفت إلى أنه تم تخفيف إغلاق الحدود للسماح بلمّ شمل العائلات، مشيراً إلى استعداد السعودية لإرسال الأغذية والمساعدات الطبية في حال الضرورة.
وفيما بدا تصريح الجبير استجابة نسبية لدعوة تيلرسون في وقت سابق للتخفيف من قرار المقاطعة، لم يدل الأخير بأي تصريح في هذا الخصوص، واكتفى بيان للخارجية الأميركية بالقول إن «تيلرسون بحث مع الجبير الوضع حول قطر». لكن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أدلى بتصريح موارِب، وصف فيه الحصار المفروض على قطر من قبل بعض دول الخليج بأنه «وضع معقّد للغاية»، ومجال يجب التوصّل فيه إلى تفاهم. وأبلغ ماتيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب أن «أمير قطر ورث تركة صعبة، وأنه يتحرك في الاتجاه الصحيح».
ومع أن الزيارة السعودية لواشنطن، في هذا التوقيت، قد تحمل علامات على تطور الموقف الأميركي من الأزمة الخليجية، إلا أن الجبير بقي مصرّاً على عدم وجود وساطة أميركية، وعلى أن الحل سيكون خليجياً ــ خليجياً، واضعاً زيارته إلى الولايات المتحدة في إطار إطلاع الدول على «لائحة الإرهاب» الجديدة للشخصيات والكيانات المرتبطة بقطر، والتي عمّمها قبل أيام الرباعي: السعودية والإمارات ومصر والبحرين.
لكن الاهتمام الأميركي بدا أمس أنه في وارد آخر، إذ كشف مسؤول في الكونغرس أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أخطرت الكونغرس، الأسبوع الماضي، بأنها تخطط للبدء قريباً بتسليم ذخائر دقيقة للسعودية بموجب اتفاق لبيع أسلحة يعود إلى عام 2015، وهو ما يواجه احتمال عرقلة مجلس الشيوخ في جلسة له اليوم، والذي يتطلع إلى الحدّ من بيع الأسلحة للسعودية على خلفية الانتهاكات في اليمن.
في موازاة ذلك، وبعيداً من غموض الموقف الأميركي، الثابت فقط على الاستثمار في الأزمة الخليجية، أعاد الاتحاد الأوروبي تأكيد سياسة «النأي بالنفس» عن الخلاف في الخليج. وقالت الممثلة العليا للاتحاد، فيديريكا موغريني، إن الاتحاد الأوروبي «يتبع سياسة الوساطة في إدارة الأزمة الخليجية، لا سيما عبر تشجيع الحوار مع جميع الأطراف والبحث عن أرضية مشتركة». وأشادت موغيريني بالوساطة الكويتية، مؤكدة أن أوروبا «لا ترغب في رؤية أي تداعيات أو تصعيد إضافي في منطقة الخليج».
من جهته، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس، اتصالين هاتفيين بكل من الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، ووليّ عهد أبو ظبي محمد بن زايد، بحث خلالهما الأزمة الخليجية وسبل حل الخلافات، بحسب ما أعلن الكرملن.
وعلى الرغم من فشل الوساطة الكويتية بعد الجولة الخليجية لأمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، الأسبوع الماضي، كان لافتاً الإعلان عن زيارة الملك الأردني عبد الله الثاني إلى الكويت للقاء الصباح، خصوصاً أن الموقف الأردني اتّخذ طابع المسايرة لقرار السعودية مقاطعة قطر، إذ اقتصرت عمّان على تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع الدوحة، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لتجنّب الانخراط في تصعيد مع تيار «الإخوان المسلمين»، الأردن في غنى عنه في الوقت الراهن. سياسة عمّان في إبعاد نيران الخلاف الخليجي، يلتزم بها المغرب كذلك، وإن بصورة أكثر صراحة، حيث كانت وزارة الخارجية المغربية قد أعلنت إرسال الملك محمد السادس طائرة مساعدات إلى قطر، وعرضه في الوقت نفسه للتوسط بين القطريين والسعوديين.
المواقف الحيادية هذه لن تستسيغها الرياض على الأرجح، مع إصرارها على سياسة استقطاب حادة، آخر تمظهراتها محاولة لاستدراج العراق إلى الاصطفاف الخليجي، عبر الإلحاح على بغداد لقيام رئيس وزرائها حيدر العبادي بزيارة إلى جدة ولقاء الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز في هذا التوقيت. مصادر في بغداد أكدت لـ«الأخبار» أن الزيارة لن تتم هذا الأسبوع، وأن العراق يدرك ضرورة النأي بالنفس عن الخلاف الخليجي، وعدم إعطاء فرصة لمحاولة توريطه في هذا النزاع.
وظهر أمس أول المؤشرات على انعكاس الأزمة الخليجية على الاقتصاد القطري، مع كشف مصادر عن إغلاق قطر لمصنعيها لإنتاج الهيليوم، بسبب المقاطعة الاقتصادية السعودية لها، وإغلاق الحدود البرية. مع الإشارة إلى أن قطر تعدّ ثاني أكبر منتج للهيليوم في العالم، وتقوم «راس غاز» التابعة لشركة «قطر للبترول» بتشغيل المصنعين المذكورين.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب، الأناضول)