تونس ـ الأخبار | مرّ زمن توافق المحاور الخليجيّة وتباينت توجهاتها وتكاثرت مشاريعها؛ حينذاك، في مستهلّ «الربيع العربي»، توافقت قطر والإمارات على إطاحة الزعيم الليبيّ معمّر القذافي، كجزء من «تحالف دوليّ» أوسع.


وقتها، كان قائد السبسيّ رئيساً مؤقتاً للوزراء في تونس، ورغم افتقاده لأيّ شرعيّة حكم، لم تحتجّ «حركة النهضة» على ما كان معلوماً لها؛ إدخال السلاح عبر الموانئ التونسيّة لفتح جبهة قتال في غرب ليبيا.
لم يدم التوافق الخليجيّ المصلحيّ طويلاً؛ فبمجرد انعقاد انتخابات في تونس، وتنحّي الباجي من المشهد، اختارت حكومة «الترويكا» بزعامة «النهضة» الانحياز إلى صفّ قطر. لم يكن اختيارها اعتباطيّاً، حيث تربط الحركة علاقات وثيقة مع زعامة قطر منذ فترة محنتها زمن بن عليّ. من ناحية ثانية، كانت سياسة الإمارات تجاه جماعة «الإخوان المسلمين» وتفرعاتها بصدد التشكل بعدما أمسكت قطر بخيوط التحالفات في غفلة منها.

«إما نحن أو هم»

قدمت قطر في السنوات الموالية للثورة دعماً اقتصادياً لتونس، جاء في شكل قروض ووديعة وصندوق صداقة وجمعيات تنمويّة؛ في المقابل، كانت السلطة التونسيّة داعمة لسياساتها الإقليميّة، في سوريا وليبيا ومصر، وإن كانت تبريراتها لتلك الخطوات مبنيّة على حجج من قبيل «التضامن الثوريّ».


معادلة السبسي صعبة: لا يمكنه
التخلي عن ثقل «النهضة» ولا عن قطر

من جهة أخرى، كوّنت الإمارات حلفاء إقليميّين، ومع مرور الوقت اشتدت صراعاتها مع قطر بالوكالة، ولوهلة بدا كما لو أنّ تونس صارت هي الأخرى ساحة لصراع النفوذ الإقليميّ. دعمت الإمارات قائد السبسي، وحركته السياسيّة الوليدة «نداء تونس»، فأرسلت له سيارتين مصفحتين ووجهت إعلامها لخدمته. ولما بلغت تحركات المعارضة، إثر اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، ذروتها بإيقاف أعمال المجلس التأسيسيّ (التشريعيّ) والاعتصام قبالته وفي مقار الولايات في الجهات الداخليّة من البلاد (أزمة صيف 2013)، توصّل الغرماء المحليون إلى تسويات خلطت الأوراق ومهّدت الطريق إلى ما اصطلح عليه حينها بـ«سياسة التعايش».
تمخّض عن الحوار الوطنيّ الذي رعته منظمات من المجتمع المدنيّ حكومة انتقاليّة أوكلت إليها مهمة تنظيم انتخابات تشريعيّة ورئاسيّة.
لم يرق الأمر الإمارات ومحورها، إذ لم يمسك حلفاؤها بالسلطة بعد. ورغم إبقائها على دعمها لـ«نداء تونس»، فإنها لم تتعامل بنفس الحماسة مع الحكومة الانتقاليّة، حيث استقبلت الإمارات والسعوديّة رئيس الحكومة المؤقتة، المهدي جمعة، استقبالاً فاترا، من دون توقيع اتفاقات أو عقد تفاهمات وازنة.
ومع تصدّر «نداء تونس» نتائج الانتخابات التشريعيّة، وصعود قائد السبسي إلى سدة الرئاسة، تشكل تحالف «أمر واقع» بين «النداء» و«النهضة»، ضمن بقاء الأخيرة في الحكم وإن بتمثيل رمزيّ. ومرة أخرى، لم تتحقق آمال أبناء زايد (حكام الإمارات)، وكنتيجة لم تتحسن العلاقات الثنائيّة، حيث لم يتبادل البلدان الزيارات الرسميّة، رغم سعي رئيس الجمهوريّة لكسر الجليد بزيارته الخاطفة لتقديم التعازي بوفاة راشد بن محمد بن راشد آل مكتوم. ورغم حديث الرئاسة عن زيارة مرتقبة، فإنها لم تحصل منذ إعلان الأمر في كانون الثاني/ جانفي 2016.

توافق على الصمت

المعادلة بالنسبة إلى الباجي قائد السبسي صعبة. الرجل يُعرف بتبنّيه لسياسة عدم الانخراط في المحاور الإقليميّة، وهو وإن كان غريماً للإسلاميّين، لا يمكنه تحمّل التخلي عن ثقل «النهضة» البرلمانيّ والشعبيّ، ولا عن قطر (أو تركيا) التي تتصدر قائمة المستثمرين العرب. كلّ ما في وسع الرئيس القيام به هو تقديم تطمينات حول قدرته على احتواء الإسلاميين وتحييدهم قدر الإمكان عن لعب أدوار إقليميّة لمصلحة خصوم المحور الإماراتيّ، أو تقديم تنازلات بسيطة إن اقتضى الأمر وبتفاهم مع «النهضة» نفسها.
بدورها، تفهم «النهضة» ما يطرحه الباجي، وتعتبره جزءاً من حزمة التوافقات معه. وبناءً عليه، تخلت الحركة عن حليفها الرئيس السابق منصف المرزوقي، لأسباب من بينها عدم تردّده في اتهام الإمارات بتمويل «الثورة المضادة في دول الربيع العربيّ». وهي تتمنع عن استهداف الإمارات ومحورها، وخفّفت من نقدها للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومن مساندتها لـ«الإخوان» في ليبيا.
وتحاول «النهضة» إعادة هيكلة تنظيمها وطرحها السياسيّ باتجاه التخلي عن أي طابع «إخوانيّ»، وهو ما قامت به في مؤتمرها الأخير من خلال ما سمّته «فصل الدعويّ عن السياسيّ». لكن ما يجمع «النهضة» بقطر أكبر من توافقاتها المرحليّة مع قائد السبسي.
توفر الإمارة للحركة دعماً إعلاميّاً مهماً، فهي من تخفف عنها الضغط في حال اشتداد النقد الإعلاميّ الموجه لها، وتوفر لها شبكة من الجمعيات ومراكز الدراسات وتدريباً لشبابها (توفر تركيا أيضاً هذا النوع من الدعم)، وهي مستعدة لإسنادها في المستقبل بكلّ ما سبق، إضافة إلى دعم اقتصاديّ رسميّ.
أقصى ما للحركة القيام به مرحلياً هو الانحناء مع العاصفة، إذ بالرغم من وجود «علاقة خصوصيّة تجمع حركة النهضة وقطر، (فإنه) يجب الالتزام بموقف الدولة» كما يؤكد لطفي زيتون، المستشار السياسيّ لراشد الغنوشي وأحد أهم رجالات جناحه داخل الحركة، وهو جناح يبدو أنه يسعى إلى البحث عن تسويات وحلول وسط في مقابل جناح أكثر جذريّة.
لكن ومع اشتداد الأزمة الخليجيّة في الأيام الماضية، يبدو أن للمسألة نهايات أخرى. فقد تزامن إعلان خبر زيارة قريبة لرئيس الجمهوريّة إلى مصر، مع بروز أخبار تفيد بإصدار منع رسميّ لدخول بعض الشخصيات «الإخوانيّة» والإسلاميّة مثل يوسف القرضاوي، ووجدي غنيم، وعاصم عبد الماجد، إلى تونس. قد يكون المنع عبارة عن «إعلان نوايا طيّبة» من السبسي إلى السيسي قبل أيام من الزيارة الرسميّة، أو تجاوباً مع ضغوط مزعومة من الإمارات (تحدث الإعلام القطري في الأيام الماضية عن وجود مساعٍ لجرّ تونس إلى اتخاذ موقف موال لأبو ظبي). وجدير بالذكر أنّ زيارة السبسي إلى مصر تتأجل منذ أكثر من عام، خاصة أنّ «النهضة» أعلنت عدم استعدادها للمساهمة في استقبال الرئيس المصري في حال زيارته تونس.