أظهرت الأزمة الجارية بين السعودية ومعها الإمارات والبحرين من جهة، وقطر من جهة ثانية، من جديد، أن العقلية القبلية المبنية على الغلبة والهيمنة والاستئثار هي المتحكمة في إدارة تلك الممالك والإمارات بعيداً عن حسابات الدولة والمقتضيات السياسية وبناء العلاقات مع الدول.


فمن غير المفهوم أبداً في ميزان العلاقة بين الشعوب والدول ما يحدث في منطقة الخليج، وهو الانتقال الفوري من الحديث عن الاتحاد بين دول مجلس الخليج والتحالف في ملفات إقليمية والتشارك في إدارة تلك الملفات معاً، ولا سيما في سوريا والعراق واليمن، إلى ما يجري حالياً، وهي ملفات تبادل فيها الطرفان (السعودي والقطري) الأدوار على مستوى الدعم الأمني والعسكري، والاشتراك في المهمات السياسية والديبلوماسية في المحافل الدولية في مواجهة تلك الدول، وفي محاولة لتغيير الأنظمة الوطنية داخلها والإتيان بأنظمة تابعة لها.
فجأة من دون مقدمات انقلب مجلس التعاون الخليجي على نفسه، مطيحاً كل تفاهماته الإقليمية، ومنها إنهاء عضوية قطر في العدوان على اليمن. كذلك تحولت الخصومة السعودية ــ الإماراتية ــ البحرينية، تجاه قطر، في أيام قليلة، إلى حالة من الإفراط والغلوّ في العداء، حتى وصل الأمر إلى استصدار قوانين تغرّم المواطنين على المحبة أو التأييد اللفظي.
نجحت قطر في استيعاب اندفاعة دول المقاطعة الخليجية (السعودية والإمارات)، وتمكنت من إيجاد بدائل اقتصادية أحبطت مفاعيل قرار مقاطعة شقيقاتها الخليجية، كذلك وفّرت المعالجة الهادئة لقطر في مقاربة الأزمة مساحة واسعة من المناورة وأظهرتها في موقع الضحية المعتدى عليها.
كذلك تتسابق الجهود الديبلوماسية لطرفي الصراع في استقطاب دول العالم، ولا شك في أن التحرّك القطري باتجاه دول الإقليم ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا أثمر تفهّماً عميقاً لموقف الدوحة، واستطاعت خلال هذه المدة الوجيزة احتواء هجوم دول المقاطعة والتملص من الضغوط وشروط الهيمنة السعودية.
لم يضف اتهام الرئيس الأميركي دونالد ترامب قطر بدعم الإرهاب في بداية الأزمة تعقيداً إضافياً، أو زاد الاتجاه في الضغط على الدوحة لإجبارها على التنازل، فهو لا يقصد إخضاعها بالأصل. كذلك فإن وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين أثنتا على جهود قطر في مكافحة الإرهاب وطالبتاها ببذل المزيد. في هذا الإطار، ليس من المفيد القول إن الموقف الأميركي متذبذب، إذ إن واشنطن تحاول في الأزمة الديبلوماسية السعودية ــ القطرية الخطيرة الاستثمار السياسي والاقتصادي ومسك العصا من الوسط، في محاولة للعب دور ضابط الإيقاع بين الطرفين ليسهل عليها التحكم أكثر في منطقة الخليج وفرض شروطها على الإقليم.
في المقابل، ترفض كل من السعودية وقطر الوساطة الأميركية، كل من جانبها؛ ففيما يأتي الرفض السعودي للأسباب نفسها التي أحدثت الأزمة بينها وبين قطر، وهي الاستفراد بالقرار الخليجي بالخصوص والعربي بالعموم، تجدد الرفض السعودي أمس بإصرار وزير الخارجية عادل الجبير على رفض الوساطة الأميركية، وعلى أن الحل سيكون خليجياً ــ خليجياً. تجدر الإشارة إلى أنّ الجبير زار واشنطن لإطلاعها على لائحة الإرهاب السعودية بحق شخصيات ومؤسسات محسوبة على قطر، وفق قوله.
أما الرفض القطري للوساطة الأميركية ورفض تلبية أمير قطر تميم بن حمد دعوة ترامب إلى واشنطن، فهما عائدان إلى أن الدوحة ليست على عجلة من أمرها بعد إخفاق فرض العزلة عليها. كذلك، فإن الدوحة التوّاقة إلى تعزيز العلاقة مع واشنطن وتعمل على الحصول على الوكالة الأميركية، تعمل على تحسين شروطها للحصول على الوكالة، وليس مهمّاً الثمن الذي ستدفعه بقدر أهمية أن تكون الوكالة خارج الفرع الأساسي في الرياض.
تدرك الدوحة حدود قوة الطرف الآخر، التي تقتصر إلى الآن على قطع العلاقات الديبلوماسية والمقاطعة السياسية والاقتصادية والإعلامية وإغلاق الحدود والمجال الجوي، وهي استطاعت تجاوز ذلك. أما الخيارات العسكرية والأمنية، فليست مطروحة في الوقت الحالي، وهذا دخل ضمن الحسابات والموازين الإقليمية والدولية، ويبدو أن تجربة غزو الكويت على يد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين دونها عقبات كبيرة في الأزمة السعودية ــ القطرية.
يعتقد الخبراء والمراقبون أن مديري الأزمة في الجانب السعودي ــ الإماراتي، وليّ وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، ووليّ عهد الإمارات محمد بن زايد، اتخذا قرار التصعيد مع قطر وفي رأسيهما أن الأخيرة لا قدرة لها على الصمود السياسي أو على التملص السريع من العزلة والحصار، فاندفعا واضعيْن كل أوراقهما دفعة واحدة من دون التفكير في الخطوة التالية، أو العمل وفق خطة «باء» في حال أخفقت الخطة «ألف»، وهو ما أضاف أزمة جديدة في سجلّهما، هي الأخطر على مجلس التعاون الخليجي.
ويجزم المراقبون بأن أيّ حل، إن وُجد، لن يكون لمصلحة الرياض التي ستكون الخاسر الأكبر في هذه الأزمة، لأنها ستضاف إلى أزمة فشلها في العدوان على اليمن، بل ستكون تداعياتها أكثر قساوة بما تمثل من خروج عن طاعتها داخل البيت الخليجي، ما سيدفع دولاً أخرى في الإقليم إلى انتهاج الخيار نفسه.