إذا ما أُنزِل العلم المصري من على جزيرتي تيران وصنافير، فإننا أمام أول وأخطر تعديل استراتيجي في اتفاقية كامب ديفيد.

على مدى نحو أربعين سنة من توقيع الاتفاقية لم يعدّل نص في وثيقتها، ولا في ملاحقها الأمنية والعسكرية، ولا في «معاهدة السلام» التي صيغت على أساسها. لم يكن ذلك دليلاً على استقرار «السلام» بقدر ما كان تكريساً للقيود التي انطوت عليها ونالت على نحو فادح من السيادة المصرية في سيناء.

بتأثير القيود على مستويات تسليح وأعداد القوات المصرية في «المنطقة ج»، لم تتمكن الدولة من فرض سيطرتها الكاملة في مواجهة التمركزات الإرهابية. رغم ما تدعيه إسرائيل من التزام بموجبات الحرب على الإرهاب، فإنها رفضت إدخال أيّ تعديلات على الترتيبات الأمنية، تخفف من القيود المفروضة. وفق تفاهمات لها أثمانها، غضّت الطرف عن تجاوز ما هو موقّع عليه من ترتيبات وقيود دون أن تبدي في أي وقت أدنى استعداد لإضفاء طابع «قانوني دولي» على زيادة أعداد القوات ومستويات تسليحها حتى يكون لها حق الاعتراض والمنع وفق وثائق كامب ديفيد المودعة بالأمم المتحدة. بمعنى أن يكون من حقها أن توافق أو تعترض وفق ما يتراءى لها من مصالح وحسابات، وأن تظلّ سيناء رهينة للقيود التي فُرِضت عليها.
في حالة تيران وصنافير، الوضع مختلف جذرياً، فالتعديل الجراحي مرحّب به والوثائق جاهزة للتوقيع حتى تنتقل الالتزامات الواردة بشأن الجزيرتين في كامب ديفيد، من مصر إلى السعودية وتودع سكرتارية الأمم المتحدة. هذه أوّل مرة تُبدي إسرائيل ترحيباً بأيّ تعديل في نصوص الاتفاقية وملحقاتها. لماذا؟
ببساطة لأنها المستفيد الأول في اللعبة كلها. نقل تبعية الجزيرتين يعني بالضبط توسيع كامب ديفيد والتطبيع الأمني والاستخباراتي والعسكري مع السعودية دون أيّ انسحابات من الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧، وفق مبادرة السلام العربية التي أطلقتها السعودية نفسها. وقد تتالت إشارات عن استعداد للمضي في ذلك التطبيع إلى حدود يصعب تخيّلها.
بصيغة أخرى، فإننا أمام «تعريب متأخر لكامب ديفيد».
بدت الفكرة الرئيسية، التي انطوت عليها كامب ديفيد، عزل مصر الدولة العربية الكبرى والأهم والطرف الرئيسي في احتكامات السلاح مع إسرائيل أعوام ١٩٤٨، و١٩٥٦، و١٩٦٧، و١٩٧٣، عن عالمها العربي وخروجها من ميادين الصراع حتى يمكن الانفراد بالدول العربية واحدة إثر أخرى.
تحت سيل من الدعايات، جرى تسويغ التسوية المنفردة، فـ«لن نحارب حتى آخر جندي مصري بالنيابة عن الفلسطينيين»، كأنّ مصر لم تكن تحارب في معارك أمنها القومي دفاعاً عن وجودها نفسه. و«أكتوبر آخر الحروب»، كأنّ الدول تعطي التزاماً مفتوحاً بأنها لن تحارب أياً ما كانت التحديات والأخطار.


بعد تيران وصنافير، فإنّ سلام الأوهام سيتحول إلى سلام بلا أوهام


جرى التشكيك في عروبة مصر، وكانت النتائج وخيمة على صورة البلد في محيطه العربي. وقد كان مثيراً أن تلك الدعايات التي سادت المجال الإعلامي المصري رادفت دعايات أخرى عن وثيقة ثانية من كامب ديفيد لحلّ القضية الفلسطينية دون أن يكون الفلسطينيون طرفاً فيها بالمشاركة والقبول.
بدا ذلك كقنبلة دخان لإخفاء حقيقة كامب ديفيد كتسوية منفردة، التي كان من تبعاتها تهميش الدور المصري، فالدور التزامات واستحقاقات لا ادعاءات بغير أساس.
بالخروج المصري انكشف العالم العربي وعجز كلّ من تقدم لملء الفراغ. لا مصر أبقت على مكانتها ولا أحد آخر كان بوسعه أن يلعب دورها الذي كان.
في الانكشاف توالت الكوارث من الحرب الأهلية اللبنانية منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى قصف المفاعل النووي العراقي ثم احتلال بيروت في ١٩٨٢، حتى وصلنا إلى احتلال بغداد في ٢٠٠٣ بعد سلسلة من الانهيارات في بنية النظام العربي أفضت به إلى ما يشبه الموت السريري تحت عنوان «صفقة القرن».
وفي الانكشاف، وُقعت معاهدتا وادي عربة وأوسلو، دون أن تبدو في الأفق حتى الآن أيّ احتمالات لسلام وفق أي مرجعية دولية.
بعد تيران وصنافير، فإنّ «سلام الأوهام» سوف يتحوّل إلى «سلام بلا أوهام» عن أيّ حقوق عربية وفلسطينية ــ كأنه إقرار نهائي بالهزيمة الجماعية.
رغم الانتقادات الجوهرية لـ«كامب ديفيد»، إلا أنها في النهاية استعادت سيناء بلا تنازل عن أرض. الانتقاد كلّه لنقص السيادة ومدى خطورته على الأمن القومي ــ وهذا تأكد على مدى العقود. بصورة أو أخرى، لم يغب الأمل في التصحيح والتصويب والتحلل من قيود كامب ديفيد. في حالة تيران وصنافير، التخلي نهائي ولا فرصة في تصحيح وتصويب واستعادة ما افتُقد. إسرائيل طرف رئيسي في نقل تبعيتهما وفق وثائق دولية، وسوف تقاتل بالمعنى الحرفي حتى لا تعود إلى مصر مرة أخرى.
المثير ــ هنا ــ أن اتفاقية كامب ديفيد أقرّت بمصرية الجزيرتين وأخضعتهما لبنود «المنطقة ج»، وأن السعودية لم تطالب بهما في أيّ مراحل الحرب والتفاوض.
لا قالت إنهما سعوديتان أثناء حرب ١٩٥٦ التي أسرت خلالها القوة المصرية فوقهما. ولا ادّعت الأمر نفسه في حرب ١٩٦٧ بما وقع فيها من شهداء ومصابين وأسرى. ولا تكفلت بأيّ مسؤولية عن أرض تقول اليوم إنها أرضها. لم تطرح الأمر على أيّ مستوى أثناء مفاوضات كامب ديفيد، ثم عندما بدا أن مصر مطلع التسعينيات تطمح إلى تمويلات مالية كبيرة، ضغطت لكي تحصل على اعتراف دون أن تقدم مستنداً واحداً يثبت ملكيتها.
مع ذلك كلّه، فإنّ احترام القانون الداخلي والقانون الدولي والحقائق لا إدارة الدول بالأهواء واجب أصيل في أيّ حوار وقبل اتخاذ أيّ موقف ــ كما دعا الرئيس.
هناك خمسة أسئلة تبحث عن إجابة في حديث القوانين والحقائق.
الأول، هل جرى احترام الحكم القضائي البات من المحكمة الإدارية العليا بمصرية الجزيرتين وانعدام اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية؟
والثاني، لماذا لم تنتظر الحكومة ما قد تتوصل إليه المحكمة الدستورية العليا في المنازعات التي تقدمت بها قبل أن تحيل الاتفاقية المحكوم ببطلانها على البرلمان؟
والثالث، إذا كنا في دولة القانون ومؤسسات تعمل وفق الأسس الدستورية، فما معنى تصريح رئيس مجلس النواب أن الحكم القضائي بمصرية الجزيرتين هو والعدم سواء؟ إذا لم يكن النظر بالاتفاقية إخلالاً جسيماً بالقانون الداخلي ونصوص الدستور المُلزمة، فما هو توصيف ما جرى تحت قبة البرلمان؟
والرابع، إذا ما سُلِّمت الجزيرتان ثم قضت المنازعات القضائية أمام المحكمة الدستورية بمصريتهما، فما هو التوصيف القانوني والدستوري لهذا الوضع الخطير وغير المسبوق؟
والخامس، إذا ما طَعن ــ بعد التسليم وقبل تصديق المنظمة الدولية ــ محامون مصريون في شرعية وصحة الإجراءات التي اتبعت، فما هو التوصيف الصحيح بمقتضى القانون الدولي لما جرى كله؟
لا يمكن لأحد في العالم يستوحي روح العدالة وقواعدها، أن يقتنع بأن احتراماً جرى لأبسط مفاهيم دولة القانون، أو أن الإجراءات التي اتبعت في البرلمان على أيّ شيء من الجدية والنزاهة.
بالقانون الدولي، كما الداخلي، فإننا داخلون إلى أوضاع مكلفة تسحب من فرص البلد في دحر الإرهاب، أو تجاوز الأزمة الاقتصادية، أو تثبيت الدولة نفسها.
*كاتب وصحافي مصري