أن تربط الولايات المتحدة مشروع تمويل إعمار سوريا العتيد، في مرحلة ما بعد تنظيم «داعش»، بإصلاحات في النظام السياسي السوري، وإسقاط القيادة السورية، يعني أن الإدارة الأميركية استسلمت أمام الواقع، وفقدت أدوات التغيير الميداني للنظام في سوريا، رغم كل الجهود العسكرية والأمنية والتحشيد، لقضم ما يتيسر من الأراضي السورية.


هذا المعطى الذي يحمل معاني الإقرار بالفشل، والواجب أن يتقدم كل المعطيات، ورد على لسان مبعوث الرئيس الأميركي في التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، بيرت ماكغورك، في كلمة ألقاها أمس في مؤتمر هرتسيليا في فلسطين المحتلة، حدد فيها أن «الحل السياسي النهائي» لسوريا، يأتي في مرحلة «التثمير السياسي» لإنجازات التحالف في هزيمة «داعش»، والسيطرة على مناطق وجوده.
ماكغورك، الذي ضمن الكلمة «كشف حساب» ما تقوم به الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم «داعش» و«إنهاىه»، عرض معطياته التاريخية من اليوم الأول لتمدد التنظيم في العراق وسوريا، وحاول تظهير الإدارة الأميركية بوصفها الجهة الأكثر فاعلية في فرملة اندفاعة التنظيم ولجمه في البلدين. معطيات تحمل قدراً وفيراً من المغالطات والتحريف وتزوير الحقائق، حول الاستراتيجية الأميركية التي اتخذت من «داعش»، في حد أدنى، أداة وظيفية لتحقيق مصالح أميركا في المنطقة، طوال السنوات الماضية، عبر حفظه وإسناده ومنع إسقاطه.
إلا أن ما يلفت في كلمة ماكغورك، هو الكشف عن التوجهات الأميركية العامة لليوم الذي يلي «داعش» وإنهائه في كل من العراق وسوريا. وأن المآلات غير مرتبطة بشكل كامل بالولايات المتحدة وإرادتها وقدرتها على فرض الوقائع والتوجهات، بل أيضاً بإرادة الآخرين في المحور المقابل، مع التشديد على عبارات التحذير والوعيد ومحاولات ردع هذا المحور، عن أفعال لا تتلاءم مع مصالح أميركا وحلفائها، وبشكل رئيسي إسرائيل.
بحسب ماكغورك، عندما ينتهي القتال وإنهاء «داعش»، تبدأ مرحلة أخرى من القتال غير العسكري للتحالف الدولي، مبني على اتجاهين: الأول هو ملاحقة عناصر «داعش» الفارين والعائدين إلى بلدانهم، مع التشديد على وجوب قتلهم وعدم تمكينهم من الفرار. الملاحقة تتم عبر تعاون استخباري رفيع جداً بين دول «التحالف»، للملاحقة والضبط والاعتقال، بما يحول دون قدرة هؤلاء على تنفيذ اعتداءات في الخارج. أما الاتجاه الثاني، فهو «تجفيف» منابع القدرة في دول محددة، والمحاربة الأيديولوجية، عبر تعاون واسع بين الدول المنضوية في «التحالف»، بحيث تمنع القدرة للتطرف عن الظهور مجدداً.
في هذا الإطار، شدد ماكغورك على أن التحالف قام بـ«فتح الأبواب المغلقة» في المنطقة، وأحدها كان زيارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، التاريخية للسعودية في وقت سابق من هذا الأسبوع، «ونحن نثني على هذه المبادرة واستعادة العلاقات المهمة بين بغداد والرياض».
وتحدث ماكغورك عن المناطق التي تنتزع من أيدي «داعش» في العراق وسوريا، ليؤكد أنها ستكون في إدارة قوات محلية من سكان هذه المناطق، مع مساعدة أميركية لمعظم الاحتياجات الأساسية لتحقيق الاستقرار، مثل الموارد الكهربائية والمائية والمخابز، التي ستتحقق بمجرد انتهاء المعارك فيها، تماماً كما يحصل في الموصل، وإن كان الوضع في سوريا أكثر تعقيداً، على أن تضطلع الأمم المتحدة بدورها أيضاً لتأمين الحاجات الإنسانية للسكان.
وماذا عن مرحلة ما بعد «داعش» و«الحل السياسي»، ومصير المناطق التي انتزعت من التنظيم وعودة الدولة إليها؟ يشير ماكغورك إلى مرحلة التثمير السياسي للإنجازات الميدانية وقضم الأراضي السورية، وقال إن الحل السياسي النهائي للحرب هو سؤال سياسي ويجب أن يتحدد سياسياً، إما من خلال الأمم المتحدة ومسار جنيف و(المبعوث الأممي ستيفان) دي ميستورا، أو من خلال محادثات ثنائية مباشرة بين بعض الأطراف على الأرض والنظام، لكنه وضع ضابطاً لهذا الحل: «لا ينبغي للنظام أن يتوقع استجابة عالمية من شأنها أن تعيد إعمار المناطق الموجودة حالياً تحت سيطرته، في ظل غياب أفق سياسي موثوق به، على أن يؤدي الى تغيير في القيادة وحكومة تمثيلية في دمشق».
أما لجهة إسرائيل، فأشار الضيف الأميركي إلى ضرورة رؤية الوضع من خلال أن «إسرائيل في عين العاصفة»، ومنذ وقت غير بعيد، «وقفت في الجولان إلى جانب قوات الجيش الإسرائيلي لأنظر إلى غرب الجنوب السوري، حيث يوجد فصيل تابع لداعش باسم جيش خالد بن الوليد، مترسخ في جيب هناك، وتحالفنا يعمل مع المعارضة المعتدلة هناك لمعالجة وجوده، في أقرب وقت ممكن... لكن علينا التأكيد أننا لن نسمح لإيران ووكلاء إيران بأن يهددوا مكاسبنا هناك وأن يتسببوا بعدم الاستقرار في مرحلة ما بعد داعش في المناطق الحدودية مع الأردن وإسرائيل». ويضيف «المبدأ الأساسي الذي يحكم أعمال تحالفنا، هو أن أي منطقة تهزم فيها داعش يجب أن تنتقل السيطرة فيها إلى سكانها المحليين، لا إلى قوات أجنبية التي عليها أن تغادر سوريا، وكل المقاتلين الأجانب، سواء من داعش أو حزب الله، عليهم المغادرة».
أهم ما ورد في الكلمة، كانت خاتمتها، التي عبرت عن عدم يقين من الآتي، ومن إدراك الإدارة الأميركية محدودية القدرة على تحقيق الأهداف، والنظرة الواقعية للعوائق وقدرات الآخرين. إذ أشار ماكغورك إلى أن «اسمحوا لي بأن أؤكد أن هذه هي تحديات معقدة في أكثر المناطق تعقيداً في العالم، وسيكون هناك نكسات، وسيكون هناك تعديلات، ولن يكون الجميع سعداء نتيجة قرار هنا أو تقدم هناك، لكن هذه هي طبيعة الحال وطبيعة التحالفات».