خلافاً للأنباء التي تواردت عن التوصل إلى اتفاق «مصالحة» بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة العاملة في درعا، شهدت معظم جبهات المدينة اشتباكات عنيفة وقصفاً متبادلاً استهدف أحياء المدينة المحاذية لخطوط التماس. المدينة الجنوبية التي طغت أخبار جبهاتها ومصالحاتها على باقي الميدان السوري خلال الأيام الماضية، لا تزال ــ حتى الآن ــ منطقة عمليات عسكرية نشطة على محاور المخيم وامتداده الشرقي، إلى جانب أطراف درعا البلد الشمالية الغربية.


وفي موازاة التصعيد العسكري الراهن هناك، تستمرّ محادثات متقطعة بين الطرفين المتحاربين، حول مسودة اتفاق مصالحة «روسي ــ أردني»، من شأنه وقف إطلاق النار والبدء بخطوات مرافقة تشمل ملف المعتقلين وتأمين الخدمات في كامل أحياء المدينة. وتشرح مصادر مطلعة على معطيات المحادثات أن الاتفاق «معدّ منذ فترة، وليس جديداً»، نافية كل ما أشيع عن رفع العلم السوري فوق أحياء المدينة التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة، أو فوق معبر نصيب الحدودي مع الأردن. وتوضح أن من المتوقع «التوصل إلى اتفاق جزئي (لا يشمل كامل المدينة)، مطلع الشهر المقبل»، لا يصل إلى السقف الذي تم الحديث عنه، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن احتمالات نجاحه مرهونة بتطورات الميدان ومآلات المفاوضات الجارية. وحول تجدد المعارك بعد هدنة تخللتها محادثات نشطة حول الاتفاق، تلفت تلك المصادر إلى أن الجانب الحكومي يرفض عدداً من شروط الفصائل المسلحة والجانب الأردني، مضيفاً أن الأخير «يضغط لإنجاح تلك المصالحة، مدفوعاً بمخاوف من انتقال المسلحين إلى أراضيه».


أشار الجربا إلى أن تياره
سيحضر المحادثات ضمن
«منصة القاهرة»


وفي انتظار ما سيخرج عن تلك المحادثات، يبدو لافتاً ما ذكرته أنقرة عن تطورات النقاش الثلاثي بينها وبين موسكو وطهران، حول مناطق «تخفيف التصعيد»، إذ قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، إن «العمل جارٍ على آلية تقضي بوجود قوات روسية وتركية في منطقة إدلب، وإيرانية وروسية في محيط دمشق، وأردنية وأميركية في درعا»، مضيفاً أن «هناك مقترحاً روسياً لإشراك قوات محدودة من قرغيزيا وكازاخستان» في القوة المكلفة أمن تلك المناطق.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر تركية أن تلك التطورات ستكون محور النقاشات في جولة محادثات أستانا الجديدة، من دون الإشارة إلى احتمال طرحها للتوقيع والتبنّي من الدول الضامنة الثلاث خلال الجولة نفسها. غير أن تصريحاً روسياً صدر عن نائب وزير الخارجية، ميخائيل بوغدانوف، يتقاطع مع تلك الفكرة، ويقول إنه «سوف يتم التصديق على وثائق إضافية (في أستانا)... وقد وضعنا مشاريع يتم بحثها الآن بنشاط كبير».
ويبدو لافتاً في تفاصيل الخطط المنتظر طرحها على طاولة أستانا، غياب الحديث التركي عن منطقة ريف حمص الشمالي، المدرجة ضمن اتفاق مناطق «تخفيف التصعيد». كذلك، فإن طرح مشاركة قوات أردنية وأميركية قد يثير اعتراضاً من قبل دمشق، التي تفضّل المصالحات المحليّة مع الفصائل المسلحة، والتي تتيح عودة سلطة الدولة على تلك الأحياء. كذلك، تثير هذه النقطة تساؤلاً عن احتمال موافقة الأميركي على المشاركة في ضمان أمن تلك المناطق، بعد ترحيب روسي متكرر بخطوة مماثلة، في ظل تصعيده المستمر على جبهات البادية ضد الجيش وحلفائه، وتوقف بعض خطوط التنسيق العسكرية مع موسكو بعد إسقاط «التحالف الدولي» لقاذفة سورية جنوب الرقة.
أما الجانب الأردني، فيظهر حماسة تجاه خطط وقف إطلاق النار كلها، وخاصة في المنطقة المتاخمة لحدوده الشمالية. وضمن هذا السياق، شدد وزير الخارجية ناصر الصفدي، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الصيني وانغ يي، على «ضرورة وقف القتال بشكل فوري والتوجه إلى محادثات سياسية تضمن حلاً سياسياً، يحفظ وحدة سوريا وتماسكها واستقلالية قرارها»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن محادثات جنيف تشكل «المنبر الأكثر قدرة على التوصل إلى هذا الحل». ولفت إلى أن الحل يجب أن يضمن «تخلص (سوريا) من كل القوى الإرهابية... ومن كل القوى والميليشيات المذهبية والطائفية الموجودة أيضاً، والتي تسهم في استمرار القتال».
وبعيداً عن الجنوب، وفي ضوء تطورات معركة الرقة وتقدم الجيش وحلفائه نحو حدود دير الزور، بدت لافتة تأكيدات خرج بها رئيس «تيار الغد» السوري المعارض، أحمد الجربا، عن تعويل تياره على جهود موسكو ضمن مساعي الحل السوري، بما في ذلك الحوار بين المعارضة والقوات الحكومية. وتأتي أهمية تلك التصريحات التي صدرت عقب لقاء الجربا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو، من كونه يترأس «قوات النخبة» التي تشارك ضمن «قوات سوريا الديموقراطية» في معارك مدينة الرقة، تحت لواء «التحالف». وتعدّ هذه القوات الواجهة العربية التي يستخدمها «التحالف» لتغطية مشاركة أغلبية كردية في معارك ضمن مناطق تقطنها غالبية عربية في الشمال السوري. كذلك فإن معظم عناصرها ينحدرون من محافظة دير الزور، ومن المتوقع أن تسعى عدة قوى، وعلى رأسها واشنطن، إلى استغلال تلك النقطة لدفعهم نحو معارك ضمن حدود المحافظة ضد تنظيم «داعش» في وقت لاحق. كذلك، أشار الجربا إلى أن تياره سيحضر جولات المحادثات المقبلة في أستانا وجنيف، ضمن وفد «منصة القاهرة» الذي يتقارب مع الرؤية الروسية للحل السياسي في سوريا، ومع أجندة مكافحة الإرهاب المطروحة من قبلها.