دفع العجز أمام تطويع الطبيعة الجغرافية والمناخية، التي تشكّل عاملاً حاسماً في نتائج المعارك والحروب، المدارس العسكرية إلى تدريب الأفراد للتأقلم والقتال في مختلف الظروف. وتفاوتت نسب نجاح هذه التدريبات بقدر طبيعة التجارب العملية والميدانية التي يخوضها هؤلاء في معارك حية حقيقية، لا تدريبية.


وتعتبر حرب الصحراء من النماذج الأصعب التي قد تحطّم أي جيش لم يتقن التأقلم معها، والتدرب عليها بشكل جيد وعملي. وهناك كثير من القادة الذين هزمتهم الصحراء قبل عدوّهم المقابل. ولهذه الهزيمة أسباب عديدة، أبرزها تعقيد الملاحة الصحراوية ليلاً ونهاراً، وحركة القوات المكشوفة على الأرض، وصعوبة مطابقة المعالم الحقيقية مع البيانات المثبتة على خرائط التضاريس الأرضية، إلى جانب قلة الموارد الطبيعية الأساسية وتعقيدات الإمداد اللوجستي، ومخاطر تخزين الذخائر والمواد. معظم المراجع العسكرية التي درست وحللت صعوبات الحروب الصحراوية قد أجمعت على إطار موحد لتذليل أغلب الصعوبات والمعضلات المحتملة، ألا وهو التدريب والتكيّف في الصحراء، وضرورة وجود القوات فيها لفترات طويلة وكافية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التدريبات النظرية والتطبيقات العملية ميدانياً، لخوض حرب ليست جديدة بالمفهوم التاريخي، إلا أنها بحاجة دائماً إلى التجديد بالمفهوم القتالي.
وبعيداً عن السرد التاريخي ودوائر الدراسات، يقدم الميدان السوري الملتهب نموذجاً حيّاً عن حرب الصحراء؛ فمنذ شهر تقريباً، أعلن الجيش السوري وحلفاؤه إطلاق «عملية الفجر الكبرى»، التي تهدف إلى تطهير البادية والإمساك بالحدود مع العراق. وبدأت العملية من محاور عدة، حيث استطاع المهاجمون السيطرة على مساحات واسعة جداً من البادية. هنا برزت معالم جديدة لموازين القوى والمهارات القتالية لدى الجيش وحلفائه، وتحديداً حزب الله، الذي يتخذ بالأساس تشكيلات تتناسب مع حرب العصابات، ولم يختبر هذا النوع من القتال في أيّ مرحلة من مراحل مقاومة العدو الإسرائيلي في لبنان، وحتى خلال انخراطه في الحرب السورية.
على أرض المعركة بدا المشهد مختلفاً، فمقاتلو الحزب ظهروا بكامل تجهيزهم العسكري المناسب لهذا النوع من القتال، من اللباس العسكري الصحراوي إلى القفّازات وواقيات العيون. وفي الخلفية، ظهر عدد كبير من الآليات المدنية المعدّلة، والعسكرية المجهّزة لخوض غمار الصحراء، وهنا كان لافتاً إقحام الآليات المدنية في هكذا نوع من المعارك. يقول أحد الضباط الميدانيين لـ«الأخبار»: «احتاج المقاتلون في البادية الى عدد كبير من الآليات للتنقل وقطع المسافات، وكان تأمينها صعباً نتيجة اتساع المساحات وكثرة الجبهات، فاستُخدمت الآليات الموجودة، المدنية والعسكرية، وعُدّلت واستُغلّت بشكل جيد ودقيق للاستفادة منها قدر الإمكان».


التكتيك الأبرز الذي
اتُّبع في البادية كان ما يعرف بالـ«الوثبات»

الإعداد اللوجستي كان أمراً أساسياً، إذ إن طبيعة البادية الرملية والحارة جداً في النهار، تؤثر سلباً على أداء الآليات التي قد تتعرض للأعطال، ما يؤخّر بدرجة كبيرة تقدم القوات. وهنا يشير الضابط إلى أن «طواقم الصيانة كانت جاهزة للتعامل مع أيّ طارئ من شأنه التأثير على سير العمليات». ومن المعلوم أن هذا النوع من القتال يحتاج إلى تغطية نارية كثيفة، إذ إنّ المسافات المفتوحة دون عوائق وسواتر قد تعرّض القوات المتقدمة لضربات وكمائن قاسية. وبالنسبة الى «عملية الفجر الكبرى»، فقد «تم رصد مسلحي (داعش) على مدى أسابيع طويلة، عبر الدوريات والتسلل، إضافة الى الطائرات المسيّرة»، يعلّق مصدر عسكري رفيع.
التكتيك الأبرز الذي اتّبع في البادية كان ما يعرف بالـ«الوثبات»، وهي تعني انتقال القوات السريع من نقطة الى أخرى في خط عرضي أو طولي. ويشرح المصدر أنه «في العمليات الأخيرة، وصلت مسافة الوثبة الواحدة إلى حدود 30 كيلومتراً، وهذه وثبة طويلة جداً في المعيار العسكري، غير أن طبيعة البادية تتيحها للقوات». وتتوقف «الوثبة» أمام عارض طبيعي (تلة أو سلسلة جبلية) يفرض على القوات تأمينه قبل الانطلاق مجدداً، أو عارض عسكري مثل تجمّع للمسلحين أو كمين، على غرار التجمعات التي كانت في الواحات والقرى الصغيرة مثل خنيفيس والصوانة. وإذا أردنا أن نستعرض بشكل مختصر أهم المهارات التي اكتسبها مقاتلو المقاومة وقياديوها من عمليات البادية، يظهر أن أبرزها هو كيفية التعامل مع المساحات الشاسعة، وبناء التكتيكات اللازمة للعمل في هذه المساحات، إضافة إلى كيفية الاستفادة من المعدات الهندسية، لما لها من أهمية في عمليات البادية من حيث الحفر ورفع السواتر والتدشيم، إلى جانب القدرة على تسيير عدد كبير من الآليات والتحكم فيها، والاستفادة منها لرفع مستوى العمل العسكري ودقته وسرعته، وأيضاً استحداث سريع لمنظومة اتصالات قادرة على تغطية هذه المساحات الشاسعة لربط القوات ومنع عزل أحد مكوّناتها.
ربما لم يكن قادة المقاومة ومقاتلوها يتوقعون العمل في مناطق صحراوية ومساحات مفتوحة وشاسعة. غير أن المؤكّد أن العقيدة العسكرية للمقاومة كانت مبنية على القتال في الجبال، مع جزء من القتال في المدن، ولم يكن للقتال في الصحراء حيّز من برامج التدريب والإعداد للمقاتلين، إلا أن الأحداث الجارية فرضت عليهم هذا النوع من القتال، وبالتالي هم قد انخرطوا فيه واكتسبوه تجربة وخبرة، تضافان الى التجارب والخبرات الكثيرة والمهمة التي نالها الحزب في الحرب السورية. وهنا لا بدّ من الإشارة الى أن أسلوب القتال في البادية كان أسلوب الجيوش النظامية، في مساحات واسعة وآليات مختلفة، وتحت غطاء جوي وناري. كل هذه الميزات معاً يفهمها الإسرائيلي والأميركي جيداً، وهما المشغولان بمراقبة عمليات البادية ومحاولة عرقلتها منذ بدايتها.