القاهرة | في الذكرى الرابعة لـ«30 يونيو» التي أطاحت حكم جماعة «الإخوان المسلمين» بعد عام واحد فقط من تسلمها، بخروج مئات الآلاف في الشوارع، أسئلة كثيرة يطرحها المصريون، وخصوصاً من الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجاً، ليجدوا أنفسهم إما خلف القضبان أو بلا فرص عمل في ظروف معيشية تزداد صعوبةً يوماً بعد يوم. أبرز هذه الأسئلة يتمحور حول المطالب التي حرّكت الشعب آنذاك لإطاحة حكم محمد مرسي، فيما حدث عكسها تماماً بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، و«اختبار» حكمه خلال السنوات الثلاث الماضية.


الدولار الذي عانى المصريون من ارتفاعه في السوق الموازية أيام مرسي مع اقترابه من حاجز الثمانية جنيهات مقابل الدولار، وصل في عهد السيسي إلى أكثر من 18 جنيهاً مقابل الدولار بعد تحرير سعر الصرف. أما الضرائب التي أُجبر مرسي على إلغائها تحت وقع تظاهرات شعبية، فأُقرت أضعافها في عهد السيسي، بالإضافة إلى قفزات كبيرة في مختلف الأسعار من دون زيادات حقيقية بالرواتب التي انخفضت قيمتها مع انخفاض قيمة العملة، ووصلت الزيادات في بعض السلع إلى أكثر من 300% عما كانت عليه قبل «30 يونيو».
الثورة التي خرج فيها المصريون للمطالبة بعزل «الإخوان» عن السلطة، بقيت الإنجاز الوحيد للسيسي بالنسبة إلى المصريين الذين تحوّلوا من شكره كقائد عسكري تحرّك لعزل «الإخوان»، إلى انتقاده بشدة ليصبح أكثر رئيس ينال انتقادات خلال حكمه، ولكن من دون أن يتحرك الشعب ضده، وسط حالة غضب شعبي في الفئات الفقيرة نفسها التي دعمت السيسي وتحركه ضد «الإخوان».
لقد حصل السيسي على أكبر قرض من صندوق النقد الدولي في تاريخ مصر بقيمة 12 مليار دولار يتم سداده على ثلاث سنوات. القرض الذي لاقى رفضاً من القوى السياسية المصرية عندما كانت قيمته خمسة مليارات فقط خلال عهد «الإخوان» (الجماعة التي واجهت اتهامات بمحاولة بيع ممتلكات الدولة المصرية)، لم يختلف السيسي كثيراً عنها مع تخليه عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية بموجب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين التي وقعت العام الماضي وأقرت قبل أيام قليلة برغم الرفض الشعبي والقضائي.
ولم يختلف السيسي عن مرسي الذي حاول الاعتداء على السلطة القضائية بإقالة النائب العام، فالسيسي أقر تعديلات تتيح له اختيار رؤساء الهيئات القضائية المختلفة برغم رفض القضاة لمشروع القانون، وشكل برلماناً لا يختلف كثيراً عن برلمان جماعة «الإخوان» الذي صدر حكم من المحكمة الدستورية بحله. وإذا كان برلمان الجماعة يتلقّى التعليمات من مكتب الإرشاد، فقد أوضحت مفاصل كثيرة في الآونة الأخيرة أن برلمان «30 يونيو» ينفذ مشيئة الجهات الأمنية.
وبرغم ذلك، يُحسب لعهد السيسي تحقيق إنجازات ملحوظة في قطاعات عديدة مهمة في الدولة، في مقدمها شبكة الطرق التي زادت أكثر من ألفي كيلومتر خلال السنوات الثلاث الماضية، بالإضافة إلى تقوية شبكة الكهرباء وإنشاء مجموعة كبيرة من محطات الكهرباء التي قضت على أزمة انقطاع التيار الكهربائي. لكن ذلك لم يتم من دون «ثمن»، إذ إنه تم فرض رسوم مرور على شبكة الطرق، بالإضافة إلى مضاعفة أسعار الكهرباء التي أُعلن عن تحريرها من الدعم بشكل كامل عام 2019.


استعاد السيسي علاقات حسني مبارك مع المجتمع الدولي

كذلك، استطاع الجنرال القادم من المؤسسة العسكرية تحقيق إنجاز حقيقي في حل مشكلة الإسكان، ببناء أكثر من نصف مليون وحدة سكنية بجانب طرح عشرات الآلاف من قطع الأراضي السكنية خلال السنوات الماضية. إنجاز تضررت فيه شركات القطاع الخاص، وخصوصاً التي دخلت في مناقصات التنفيذ لمصلحة الحكومة بسبب الزيادات المضطربة في الأسعار، في وقت زادت فيه أسعار العقارات بصورة ملحوظة بسبب زيادة أسعار مواد البناء وطرح الحكومة الأراضي بأسعار مرتفعة.
صحيح أن السيسي زاد من الدعم الموجه للفقراء، سواء بالدعم المباشر عن طريق البطاقات التموينية أو مشروع «تكافل وكرامة» الذي يوفر معاشات للأسر الفقيرة ويستفيد منه نحو 2.5 مليون مواطن، إلا أن هذه المشاريع التهمتها تلقائياً الزيادات السريعة في الأسعار، وكذلك زيادة الرسوم على جميع الخدمات الحكومية بشكل مبالغ فيه وارتفاع الضرائب وغيرها من الزيادات التي أقرت على فترات متقاربة.
خارجياً، استعاد السيسي علاقات الرئيس الأسبق حسني مبارك مع المجتمع الدولي، ونجح في فرض شرعيته مع مختلف دول العالم، بينما بقيت المساعدات الاقتصادية التي حصل عليها من الرياض وأبو ظبي عائقاً أمامه في ملفات عدة على المستوى العربي، كما تبع الدولتين في ملفات أخرى، مثلما حدث أخيراً في أزمة التصعيد الخليجي ضد قطر.
إلى ذلك، استأنف الجنرال العلاقات مع روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأبرم صفقات سلاح بمليارات الدولار، وهي الصفقات التي عززت موقفه السياسي معهم وجعلته يلقى استقبالاً حاراً، سواء من إدارة دونالد ترامب التي استأنفت المعونات المعلقة منذ عهد باراك أوباما. بينما جاءت صفقات السلاح الأوروبية والطائرات الرئاسية والرافال من باريس لتكون أضخم صفقات عسكرية أبرمها الجيش المصري خلال آخر عقدين.