القاهرة | تلقى المصريون «صفعة» رفع الدعم عن أسعار الوقود بنسب تراوح بين 40 إلى 100%، وهو ما يسبب تلقائياً ارتفاعاً في أسعار كل السلع والخدمات، وأبرزها بالطبع تلك المرتبطة بالمواصلات. وجاءت الصفعة الجديدة قبل أن يفيقوا تماماً من أزمة «تعويم الجنيه» التي حدثت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، والتي أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في سعر الدولار الأميركي مقابل الجنيه المصري، وبطبيعة الحال ارتفعت الأسعار في المحروسة بنسب تراوح ما بين 100 و250%، منذ ذلك الحين.


وقبل هذه التغيرات، شهدت مصر أيضاً موجة أسعار مرتفعة بفعل رفع الدعم السابق عن الوقود، الذي يُعَدّ جزءاً أصيلاً في برنامج صندوق النقد الدولي لإقراض مصر 12 مليار دولار على ثلاث دفعات، لم تتسلم مصر سوى الدفعة الأولى منها. وهو القرض الذي عرّفته الدولة لمواطنيها باسم «خطة الإصلاح الاقتصادي»، حيث تناقص دعم المواد البترولية إلى 110 مليارات جنيه، وهو الأمر الأساسي الذي على إثره يجد المواطن نفسه يدفع أضعاف ما كان ينفقه على كافة مشترياته.
هذا كله يدفع المصريين إلى التساؤل عن مصير أموالهم: أين يذهب ما يدفعونه من ضرائب إذا كانت الدولة تنزع الدعم تدريجاً، فيما هم يعانون أشدّ المعاناة من تردي خدمات الصحة والتعليم؟ خصوصاً أن المواطن المصري مرغم على دفع ضرائبه إذا كان موظفاً عاماً (تُستقطع من راتبه قبل أن يصل إليه)، وهو يدفعها مع كل خدمة يتلقاها على شكل رسوم، أو يدفعها للمحالّ والأماكن التي يرتادها، فما المقابل الذي تقدمه الدولة له؟

غالبية الإيرادات من ضرائب المواطنين

نظرة إلى الموازنة العامة للدولة (2017 ـ 2018) على موقع وزارة المالية المصرية، تجد أن إيرادات الدولة المصرية المتوقعة (643.8 مليار جنيه) موردها الرئيسي هو الضرائب التي تُجبى من المواطنين بأشكال عديدة وتبلغ 458 مليار جنيه، فيما تمثل الإيرادات غير الضريبية 184 مليار جنيهاً فقط. ومن المفترض أن يعود إسهام المواطن في موازنة الدولة عبر الضرائب بأنواعها (ضريبة القيمة المضافة تزداد من 13 إلى 14% بداية شهر حزيران/ يونيو)، بالنفع عليه على صورة خدمات تعليمية وصحية تحديداً، وهو ما لا يحصل في ظلّ تردي الخدمات العامة والبنى التحتية.
بالطبع، لا يعرف عامة الناس أن مصر تسدد فوائد ديونها الكبيرة من هذه الضرائب، إذ إن 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي يذهب لتسديد الديون في الموازنة الجديدة، وهي نسبة أعلى من الإنفاق على الصحة والتعليم، مع العلم أن هذه الديون التي تزداد مع كل مشروع جديد يدشنه الرئيس عبد الفتاح السيسي.

سداد الديون أهم من صحة المواطن

لمجال الصحة على سبيل المثال، خُصِّصَت 54 مليار جنيه ضمن الموازنة العامة الجديدة، أي ما يمثل 3.1% من الناتج المحلي. هذه النسبة هي زيادة طفيفة جداً عن العام الماضي، ولا توازي أبداً ما أحدثه «تعويم الجنيه» الذي أدخل شرائح جديدة من المواطنين إلى فئة المستحقين للدعم بعدما كانوا يذهبون إلى المستشفيات الخاصة. إذاً، إن مخصصات الصحة ضعيفة جداً إذا ما قورنت بما خُصِّص لتسديد الديون مثلاً، وهذا سبب رئيسي في سوء خدمات المستشفيات الحكومية، وفي نقص الأدوية المدعومة التي لم تجد الدولة لها أموالاً سوى 600 مليون جنيه ضمن موازنة الصحة. ودعم حليب الأطفال ضمن هذه المخصصات، لذا من غير البعيد أن تشهد هذه الفئة أزمة جديدة مثل تلك التي واجهها المواطنون العام الماضي. كذلك، لا يقابل هذه المبالغ خدمة جيدة في مستشفيات الحكومة، بل إن جهاز الرقابة الإدارية المصري حين يُجري تفتيشاً مفاجئاً للمستشفيات، يكتشف شبه انعدام الخدمات الطبية التي من المفترض تقديمها للمواطنين دافعي الضرائب، (لا وجود لأطباء، ولا أطعمة للمرضى، ولا أدوية لهم، بل يُرغَمون على شرائها من الخارج). أما المستشفيات الحكومية الشهيرة والكبيرة التي تعالج المواطنين بنحو مهني، فهي تعتمد في الأصل على التبرعات التي تأتيها من المواطنين، وأهمها مستشفيات قصر العيني.

«يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟»

ما يشهده التعليم المصري يتفق مع مقولة السيسي الشهيرة «يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟»، فإن كان دستور 2014 قد حدد نسباً معينة للإنفاق على التعليم والصحة طبقاً للناتج القومي، فلا يحتاج أي شخص لمعرفة أين وصل التعليم المصري، سوى الاطلاع على مركز القاهرة في مؤشرات التنافسية العالمية في هذا المجال. تحتل القاهرة الرقم 134 ضمن 139 دولة في مؤشر جودة التعليم الابتدائي، ويعاني المجتمع المصري من إنفاقه ثلث دخله تقريباً على الدروس الخصوصية، نظراً إلى عدم جدوى الذهاب إلى المدارس الحكومية التي تعاني بدورها من نقص في عدد المدرسين والفصول (الصفوف) وتردي في حالها الإنشائي عموماً.


تعتمد المستشفيات الحكومية الشهيرة على تبرعات المواطنين

وقد طالبت وزارة التعليم ما قبل الجامعي بزيادة ميزانيتها إلى 100 مليار جنيه بدل من 83 مليار. وهناك «خناقة» برلمانية في لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب حول الرقم المخصص للتعليم في الموازنة الجديدة، فيما لا ترضى الدولة بزيادة مخصصاته أكثر من 20 مليار جنيه في الموازنة الجديدة التي تذهب معظمها للأجور، لا لتطوير التعليم نفسه.

«الحماية الاجتماعية» التي لا تفيد

فور بدء التعامل بالأسعار الجديدة للوقود، انتشرت على موقع «فايسبوك» ردود على أسئلة تشغل بال المواطنين، ومنها قول إن ما فعله السيسي أخيراً من زيادة نسب الفرد على بطاقات التموين، وزيادة 100 جنيه على الرواتب ضمن مشروع «تكافل وكرامة» إلى جانب زيادة العلاوة للموظفين، (في المجمل زيادة تقدر بـ500 جنيه في دخل الأسرة الواحدة)، أما «الزيادة التي ستدفعها الأسرى جراء رفع أسعار الوقود فلن تصل إلى هذا المبلغ أبداً». هذه الردود تبدو حكومية تماماً، لأنها اقتصادية بحتة وتكتفي بالجانب النظري، من دون أن تضع في الاعتبار أن السوق المصري لا يضبطه أحد. فكم مرة مثلاً وعد السيسي بأن الأسعار «لن ترتفع مرة أخرى»؟ إلا أن العكس هو دائماً ما يحدث. في مشروع الموازنة الجديدة، تقول الحكومة إن أحد أهدافها خلال العام المالي الجديد «تحقيق تقدم ملموس في التنمية والحماية الاجتماعية لتحسين الحياة اليومية للمواطنين، وذلك من خلال زيادة الإنفاق على مجالات الصحة والتعليم». لكن الواقع الصعب الذي يعيشه المصريون يشير إلى أن تحقيق هذه الغاية حلم بعيد المنال.