عشر سنوات مضت على ما يسمى «الانقسام الفلسطيني»، سادت خلالها جملة من المفاهيم التي شكلت وعينا تجاه هذه المسألة. وهو وعي زائف لا يعكس حقيقة القضية المطروحة، بقدر ما يحجب عنا جوهر العلة التي نعانيها بصفتنا فلسطينيين، داخل حدود «أوسلو» وخارجها. وهو ما يستدعي ضرورة تفكيك هذا الوعي وتفنيد الزيف فيه، خاصة أن هذا الوعي وإن كان زائفاً، فالذي شكله وعي مدرك لفعله وللهدف منه.


ما وقع عام 2007، ليس هو الحدث الذي يستحق بأسى أن نسميه «الانقسام الفلسطيني»، لأنه مجرد نتيجة ضمنية لانقسامنا حول البرنامج الوطني التحرري لـ«منظمة التحرير» الذي وقع قبل أكثر من ثلاثة عقود. ذلك هو الانقسام المركزي الذي مس جوهر القضية ووحدة الشعب. فإلى جانب أن هذا البرنامج جسد وعبّر عن قضية وطن مسلوب، فقد مثل أيضاً المركز الناظم لجملة من التفاوتات والاختلافات السياسية والفكرية والأيديولوجية وحتى العقائدية والطبقية التي يتكون منها الشعب الفلسطيني. وحولها إلى «هامش» مقابل التناقض المركزي القائم بين الكل الفلسطيني المستعمر والكل المستعمر.
هذه المركزية الوطنية للبرنامج التحرري ساهمت ضمناً في تشكل منظومة اجتماعية قيمية أخلاقية للفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم ومواقعهم. ومن ثم كان «الحلال بيّن والحرام بيّن»، أي كان هنالك معايير تحكم السلوك الفلسطيني وتعرفه، ولم تكن الأمور متروكة للاجتهاد الفردي لتعريف ما هو السلوك الوطني وما هي الخيانة، كما هو جارٍ اليوم. إذا، نحن هنا لا نتحدث عن مجرد برنامج سياسي لحركة تحرر، وإنما عن منظومة وطنية اجتماعية ثقافية وأخلاقية... تمثل مرجعية لشعب بكل مكوناته.
لا ندعي أن وجود هذه المنظومة كان يعني نفي أو إلغاء التفاوتات والاختلافات وربما التناقضات الداخلية، بل كان لها مساحتها من الجدل والصراع، ولها الحق في ذلك، وكان ذلك ضمن التعددية وإغناء للحياة السياسية الفلسطينية، ما دامت ملتزمة كونها «هامشاً» مقابل التناقض المركزي مع المستعمر. بكلمات أخرى: كان الصراع والجدل يجري داخل المنظومة وليس حولها. لذلك حتى عندما كان الصراع يحتدم إلى حد الانشقاق، كما حدث مع كل من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وحركة «فتح»، وهما القطبان المركزيان للمنظمة والقضية الوطنية آنذاك، كما هما حركتا «فتح» و«حماس» اليوم، لم يكن ذلك ليسمى «انقساماً»، أو ليثير الخشية من أن يصبح كذلك. والسؤال الضمني هنا: لماذا الانشقاقات السياسية وبيئة الخلافات السابقة والمرافقة لها لم تكن لتوصف بالانقسام؟
الإجابة عن هذا السؤال تتلخص في سببين أحدهما رئيسي والآخر تابع، وهما: أولاً، تلك الخلافات وما ينتج عنها من انشقاق يمكننا تسميتها بـ«الانقسام الأفقي» أي الذي يدور في الفضاء السياسي حول قضايا فكرية نظرية وأيديولوجية، سواء بين مكونات «منظمة التحرير» أو داخل المكون الواحد، دون أن يمس الجوهر الوطني للقضية الفلسطينية، كما أسلفنا: خلاف وانشقاق يدور داخل المنظومة وليس حولها، وثانياً، لأن وحدة القضية وجوهرها ليس محل خلاف، فذلك يعني ضمنياً أن لا خشية على وحدة الشعب نفسه، أي لا خشية من أن يتحول «الانقسام الأفقي» إلى «انقسام عمودي» يفتك بالوحدة الوطنية الاجتماعية للشعب، ما دامت مرجعية هذا الشعب واضحة محددة ولا انقسام حولها.

حين وقع الانقسام حول الجوهر

هذا الحال تغير ابتداء من عام 1988، حينما كان ما سمي «إعلان الاستقلال» هو الإعلان الرسمي والعلني للانقسام حول برنامج «منظمة التحرير» وثوابتها. وهنا يمكننا أن نتحدث عن «الانقسام الفلسطيني» الجوهري، الذي سيكون سبباً لسلسلة انقسامات لاحقة، لم يكن ما وقع بين «فتح» و«حماس» عام 2007 آخرها. وبما أن وحدة القضية ــ كما ذكرنا ــ سبب رئيسي في وحدة الشعب، فإن هذا الانقسام حوْل القضية وبرنامجها، تبعه انقسام ضمني بين مكونات الشعب، وكان ذلك عام 1993، حين وقعت اتفاقات أوسلو، أي أنه بين عام 1988 ــ 1993 كان الانقسام قد فتك بالجوهرين: القضية والشعب، وهو ما أخذ الهوية الوطنية بحد ذاتها في رحلة من التفكك.
مع تحول «أوسلو» إلى واقع سياسي وقانوني، تم فصل المكونات الجغرافية للشعب الفلسطيني ــ الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المحتلة عام 48 والشتات ــ عن بعضها بعضاً، فصلاً سياسياً وقانونياً وإجرائياً ونفسياً. فقد بات لكل مكون منهم همومه وأولوياته وخيباته وحتى طموحاته الخاصة به. لم يعد من الممكن بعد هذا التاريخ الحديث عن هم واحد ولا حتى عن ممثل سياسي واحد لشعب واحد.
انتقال مركز القرار الفلسطيني وثقل السياسات الاجتماعية والاقتصادية من الشتات إلى الضفة والقطاع، ومن «منظمة التحرير» إلى السلطة الفلسطينية التي لا تمثل إلا الضفة والقطاع، همّش الشتات واللاجئين عموماً وعزل الفلسطينيون في أراضي 48. فقد أصبح «المشروع الوطني الجديد» هو بناء دولة على حدود 67. بكلمات أخرى: اختزل المشروع الوطني الذي كان مشروع كامل الشعب، ليصبح مشروعاً سياسياً لمكون واحد من مكونات الشعب فقط.
هذا هو جوهر الانقسام حول المشروع الوطني، وهذا هو جوهر «أوسلو»، مهما حاولوا تغليفه بأكثر العبارات والصيغ الدبلوماسية ذكاء. ومع هذا الفصل بين المكونات والاختزال للمشروع الوطني، لم يعد هنالك منظومة، من ثم لم يعد هنالك معايير وطنية واجتماعية تحدد السلوك الفلسطيني وتعرفه. على عكس ذلك، دخلنا في ما يمكننا تسميته «ثقافة الثنائيات»: دولة واحدة أم دولتان؟ مفاوضات أم كفاح مسلح؟ دولة أم وطن؟ عودة أم تعويض؟ إذ بغياب المركز أو ضعفه وتراجعه، تتقدم الهوامش لتصبح مراكز، وبتشظي المرجعية، تعوم المفاهيم وتفقد معانيها، ويفتح الباب للاجتهادات الفردية بل حتى المشاريع الفردية. ولم يعد بإمكاننا الإجماع على إجابة عن أبسط الأسئلة التي تواجهنا من حين إلى آخر.
هذا ليس نهاية الانقسام الفلسطيني، فإذا كنا حتى الآن نتحدث عن انهيار المنظومة والخروج منها وعليها، وعن فصل مكونات الشعب عن بعضها، فإن المركز الجديد ــ السلطة الفلسطينية ومشروعها السياسي ــ الذي جاء على حساب مركزية «منظمة التحرير» وبرنامجها الوطني، قد دخل بدوره في انقسامات سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة، وذلك مع انطلاق الانتفاضة الثانية عام 2000 وحصار ياسر عرفات.
استطاعت السلطة في سنواتها الأولى أن تسوق نفسها كرؤية وطنية جديدة اقتضتها ظروف وعوامل محلية وإقليمية ودولية عدة. وساهم عرفات برمزيته والكاريزما التي يتمتع بها أن يحافظ على رابط معنوي وإن كان وهمياً بين المكونات التي تحدثنا عن انفصالها. بمعنى آخر: أوهمتنا شخصية عرفات ورمزيته أن الانقسام الجاري ما زال انقساماً أفقياً لم يتحول إلى عمودي يمس بجوهر القضية ووحدة الشعب، وقد كسر هذا الوهم حين حوصر عرفات ورؤيته معاً في مقر «المقاطعة».
عمل المجتمع الدولي آنذاك على تقليص صلاحيات ونفوذ عرفات تحت شعار «إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية»، وهو ما يعني أن المشروع السياسي الجديد قد انتهى بالنسبة إلى المجتمع الدولي ــ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ــ وإسرائيل، لأن محاولة «إنهاء عرفات» سياسياً تعني بالضرورة التأسيس لمرحلة سياسية جديدة. هنا بدأت «فتح» نفسها تشهد خلافاتها الداخلية خاصة بين صفوفها القيادية الأولى حول شخص عرفات وكيفية التعاطي مع هذه المستجدات، فمنهم من تجاوب معها، ومنهم من بقي وفياً للمرحلة «العرفاتية» التي انتهت بوفاته وبنهاية الانتفاضة الثانية وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، إيذاناً بولادة المرحلة الجديدة.

مرحلة ما بعد «العرفاتية»

بالانتقال إلى هذه المرحلة، حملت «فتح» خلافاتها الداخلية معها التي تعمقت بمرور الوقت، فرأينا كيف انقسمت على نفسها في الانتخابات التشريعية عام 2006، وكيف عبر عنها مؤتمرها السابع، حتى باتت أقطاب متنافرة.
ما حدث في المرحلة السياسية الجديدة بعد وفاة عرفات هو أن انفصل الوطني عن السياسي، إذ لم يعد «الدور الوطني» للسلطة، المتمثل في عملية المفاوضات، هو دورها المحوري أو الهدف من وجودها، وإنما هبطت في أفضل الأحوال لمجرد أدوار إدارية وتنظيمية واقتصادية وأمنية، أو كما وصفها أحد قادتها بأنها «بلدية كبيرة»، بات دورها مجرد إدارة وتنظيم الحياة اليومية للناس، فإذا توقفت المفاوضات لسنوات كما هو الآن فعلياً، فهذا لا يعني شيئاً، لأنه لم يعد هدفاً أصلاً.


بعد انفصال الدور الوطني عن السياسي، فتح الباب لمرحلة «السياسات النيوليبرالية»

بهذا الانفصال للوطني عن السياسي، فتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة جديدة عنوانها «السياسات النيوليبرالية» التي عمقت الانقسامات الاجتماعية والتفاوتات الطبقية، إذ تحول «مجتمع الضفة والقطاع» إلى مجرد فئات وطبقات تتسابق وتتنافس في ما بينها لتحسين ظروفها المعيشية، وهنا باتت المصلحة الفردية والاقتصادية تتقدم بل تتعارض مع المصلحة الجماعية والوطنية.
ولكم أن تلاحظوا مثلاً، كيف كان التفاعل الشعبي مع إضراب الأسرى عن الطعام باهتاً، أو كيف يناضل أهالي الشهداء وحدهم للإفراج عن جثث أبنائهم من ثلاجات الاحتلال، أو كيف يعتصم أسرى قطعت رواتبهم أيام في العراء دون أن يلتفت لهم أحد، أو كيف يخوض قطاع غزة الحرب وحيداً، أو كيف تناضل مدينة القدس يومياً وحدها، وكيف تتصدى الخليل للاستيطان والقرى تواجه الجدار كل بمعزل عن الأخرى، أو كيف يعلن الشبان الصغار انتفاضة سكاكين ولا يتبعهم أحد.
بناء على هذا المسلسل من الانقسامات الجوهرية على صعيدي القضية الوطنية والبنية المجتمعية والتركيبة الاقتصادية للفلسطينيين، ما وقع عام 2007 هو نتيجة متوقعة ومجرد حلقة من مسلسل الانقسامات، وليس هو أصل الانقسام أو جوهره. وربما الوصف الأدق لما حدث بين «فتح» و«حماس» أنه تقاسم وليس انقساماً: تقاسم لجملة من المصالح الإدارية والاقتصادية التي باتت تمثلها السلطة في مرحلتها الجديدة التي سبق ذكرها، والتي انفصل فيها الوطني عن السياسي، خاصة بعد أن تبين لـ«حماس» تحديداً وبتجربتها الذاتية أن من يريد أن يجلس على مقاعد السلطة فسقفه الأعلى هو «أوسلو»، ولعل وثيقتها السياسية التي أعلنتها أخيراً نتيجة لهذا الإدراك.
وكدليل على إصرارها التقاسم مع الطرف الآخر «خيرات أوسلو» وتقاسم انقساماتنا، ولو دققتم النظر في القضايا التي تدور حولها «مفاوضات المصالحة» من القاهرة إلى مكة وإلى الدوحة، لوجدتموها قضايا إدارية وتنظيمية وسياسية بعيدة عن «المشروع أو الرؤية الوطنية». أما الإصرار على تصوير تقاسمهم على أنه «انقسام فلسطيني» وطني، فهو تزييف لوعينا، وكأنهم يريدون لخروجنا على القضية الوطنية ومشروعها ومؤسساتها الجامعة أن يكون خروجاً آبداً. مع هذا، يمكن الادعاء بأن المبادرة اليوم باتت ملك الجيل الجديد وليس ملكهم.