تونس | سبع شخصيات جديدة، أضيفت أسماؤها أمس، إلى لائحة «مصادرة الأملاك» التي كانت تشمل أسماء ثمانية رجال أعمال فقط، وذلك بسبب «ضلوعهم في عمليات فساد». ولم يقف الأمر عند مصادرة أملاك، بل ذهبت السلطة التنفيذية إلى فرض الإقامة الجبرية على الديوانيّ المتقاعد وعلى ثلاثة رجال أعمال، وذلك بالاستناد إلى أنّ مضامين «حالة الطوارئ» المعلنة في البلاد، تتيح للسلطة التنفيذية وضع أي شخص يُعتبرُ نشاطه خطيراً على الأمن والنظام العامين، تحت الإقامة الجبرية.


أحداث أمس التي كانت السلطة التنفيذية بطلتها، سبقها في يوم الأربعاء الماضي تحرّك القضاء المالي الذي أصدر قراراً بتجميد أملاك رئيس حزب «الاتحاد الوطني الحر» ورجل الأعمال سليم الرياحي، الذي يرأس أيضاً أحد أكثر النوادي الرياضية عراقة في تونس (الأفريقي)، استناداً إلى قضية سابقة ضدّه، تتعلق بغسل الأموال وتبييضها.
يعتقد غير المتابع بدقة للشأن التونسي أنّ القضية ضدّ الرياحي، الذي يتمثّل حزبه في البرلمان (12 نائباً) وكان مشاركاً في حكومة الحبيب الصيد، قد رُفعت أخيراً واتخذت مجراها في القضاء. لكن في الواقع، فإنّ القضية تعود إلى عام 2011، وخاصة أنّ الرجل تلاحقه شبهات وتهم بتبييض وتهريب أموال من ليبيا، حيث كان يُقيم وتربطه علاقات قوية بنظام معمّر القذافي.


بدأت القصة حين أوقِف
فجأة الرجل المعروف
بفساده، شفيق جراية

ومثال سليم الرياحي، ينطبق على كل الذين صُودرت ممتلكاتهم، وعلى كل الذين وُضِعوا تحت الإقامة الجبرية. كل القضايا والتهم ليست جديدة، إنما أجهزة الدولة والسلطة التنفيذية، بما في ذلك القضاءان المدني والعسكري، لم تتحرّك ضدهم إلا من تاريخ 24 أيار/ مايو الماضي حين تم فجأة إيقاف رجل الأعمال المعروف بفساده، شفيق جراية، وما تبع ذلك من مصادرة ممتلكاته وتوجيه تهم عدة له، من بينها «التخابر مع جيش أجنبي»، في إشارة إلى علاقته بالليبي عبد الحكيم بالحاج، وتهريب السلاح للمجموعات التابعة له في ليبيا.
وكان شفيق جراية يظن أنّه فوق المحاسبة نظراً إلى نفوذه ضمن «نداء تونس» (حزب رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية) وضمن مختلف أجهزة الدولة. وهذا ما دفعه إلى التلميح في أحد حواراته المتلفزة إلى أنّ السلطة والنافذين فيها لا يستطيعون «إيداع عنزة في السجن». لكنه كان مخطئاً، إذ حصل ما لم يكن أحد يتوقعه، وتحركت أجهزة الدولة والقضاء «ضدّ الفساد»، فكان هو أول «الرؤوس» التي تم إسقاطها.
قيل إنّ أحد أسباب إيقاف جراية هو خلاف استجدّ مع نجل الرئيس التونسي، حافظ قائد السبسي، وقيل أيضاً إنّ أجهزة مخابرات عربية لعبت دوراً لإيقافه، لكن أمام هذا المشهد، فإنّ السؤال ــ اللغز المطروح في تونس راهناً: من أين أتت حكومة يوسف الشاهد وأجهزة الدولة، وحتى القضاء، بالجرأة والشجاعة للدخول في حرب ضدّ فاسدين نافذين في الدولة وفي بعض الأحزاب الحاكمة وفي الإعلام، وهم نافذون إلى درجة أنّ بإمكانهم حتى إسقاط أي حكومة في حال أرادت المسّ بمصالحهم؟ وإنّ ما يعزز جديّة هذا السؤال، بعض التجارب السابقة.
في عام 2014، أصدر قاضٍ بطاقة جلب بتهمة «التآمر على أمن الدولة» ضد رجل الأعمال كمال لطيف، المعروف في تونس بـ«رجل الظلّ» المتحكم في كل الحكومات. رفض الأخير الخضوع لرجال الشرطة، وفي خطوة غير متوقعة، توجّه القاضي المعني إلى منزل لطيف بنفسه، وعمد مباشرة الى إلغاء بطاقة الجلب واستبدلها باستدعائه للحضور أمامه في اليوم التالي... وهو ملف جُمِّد في نهاية المطاف.
تُبيِّن هذه الحادثة أنّ القضاة في تونس والمتحكمين في السلطة التنفيذية، لا يجازفون عادة بالتحرّك ضدّ الفساد، بعكس ما هو حاصل اليوم. لكن ربما أنّ تحرّك النيابة العسكرية ضد شفيق جراية قبل أسابيع، باعتبار أن إحدى التهم الموجهة إليه هي «الخيانة»، مثل حافزاً أمام الحكومة لتشنّ حربها على الفساد. وحتى إذا جرى افتراض أنّ هذه «الحرب» انتقائية، فإنّ متابعين يقولون اليوم إنّه «لم يعد بإمكان حكومة يوسف الشاهد الوقوف في هذه الحرب»، وخاصة أنه أصبح لها حاضنة شعبية واسعة.