عكست مواقف وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، برفض أي تسوية سياسية في سوريا تشارك فيها إيران، منسوب القلق في تل أبيب إزاء مستقبل الأوضاع على الساحة السورية. وكشف الموقف الرسمي الإسرائيلي في رفض بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة، ما يدور من تقديرات ومخاوف لدى صناع القرار إزاء مستقبل الخيارات الأميركية. ويبدو أنّ الضربات المحددة والمحدودة التي نفذتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الساحة السورية حتى الآن، لا تلبّي طموحات تل أبيب، إدراكاً منها بأنها غير كافية في إحداث تغيير جذري على المستويين الميداني والسياسي.


من الواضح أنّ مواقف ليبرمان لا تستند فقط إلى معلومات تتصل بما يجري بين واشنطن وموسكو، بل أيضاً إلى مفهوم وتقدير تدركه تل أبيب جيداً أنّ التطورات التي تشهدها الساحة السورية تتجه نحو أحد مسارين: إما تكريس الوضع القائم أو انتاج تسوية سياسية ما. في الحالة الأولى، تكشف الانتصارات التي حققها الجيش السوري وحلفاؤه في الساحة السورية عن أن يدهم ستبقى هي العليا على المستويين الميداني والسياسي. وفي الحالة الثانية، فإن أي تسوية سياسية مفترضة سوف تكون انعكاساً لمعطيات الميدان وموازين القوى. هذه الوقائع يبدو أنها دفعت ليبرمان إلى التأكيد على أن بقاء الأسد في السلطة «ليس في مصلحتنا الأمنية»، ولكونه يعني أيضاً أنّ «إيران وحزب الله سيبقيان في سوريا». وشدد في الوقت نفسه على أن إسرائيل لن «تتسامح مع أي وجود إيراني على حدودنا، وسنستمر في التحرك ضد ذلك».
سبق مواقف ليبرمان العديد من التقارير الإسرائيلية التي عكست عمق القلق من الغموض الذي يلف السياسة الخارجية الأميركية. وهو ما حاولت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي تقديمه أمام لجنة السياسة الخارجية في مجلس النواب الأميركي، بأنه يمنح الادارة مجالاً أكبر للمناورة. ولكن يبدو أن هذا التوصيف لم يلقَ استحساناً في تل أبيب وسائر حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، كما أكدت صحيفة «هآرتس».
ويبدو أن الفترة التي مضت منذ أداء ترامب لليمين الدستورية، قبل أكثر من خمسة أشهر، كانت كافية كي تقدم صورة واضحة عن السياسة الخارجية، وتحديداً إزاء الساحة السورية. ولكنهم في تل أبيب «ما زالوا يجدون صعوبة في فهم توجه الإدارة». ويبدو أن خلفية القلق والترقب اللذين تشهدهما العديد من العواصم الاقليمية، تعود إلى كونها تأمل أن تقرّر الإدارة الأميركية مزيداً من الانخراط المباشر في الحرب الدائرة على الساحة السورية، لمواجهة الانتصارات التي حققها محور المقاومة، وعلى رأسها التواصل عبر الحدود العراقية السورية. وضمن هذا السياق، يأتي ما ورد في صحيفة «هآرتس» عن أن «إسرائيل، وكذلك معسكر الدول السنيّة المحافظة الذي تقوده السعودية، ترغب في وجود أميركي قوي ودائم في المنطقة». لكن الذي جرى أنه «كلما مرّ الوقت تتزايد علامات الاستفهام: هل الأميركيون موجودون هنا لكي يبقوا، أم لديهم هدف مُحدَّد واحد – القضاء على خلافة تنظيم داعش – ومن ثم ترك المنطقة؟». وتساءلت الصحيفة عمّا سيحدث في اليوم التالي لسقوط الرقة؟
المعطيات التي تتوالى من واشنطن تعزز الاتجاهين المضادين؛ فإلى جانب التهويل والوعيد باستهداف النظام السوري على أساس نيّات مفترضة، بشنّ هجمات كيميائية مزعومة، تنقل «هآرتس» عن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس تعهده بأن الولايات المتحدة ستمتنع عن التورط في «مهمة زاحفة»، عبر التوسع العسكري الزاحف وغير المخطط في سوريا، وأن الولايات المتحدة ستبقى تركز في قتالها على «داعش» وستمتنع عن الانجرار الى «الحرب الاهلية في سوريا». ويعتبر ماتيس مع مستشار الامن القومي الجنرال هربرت مكماستر من يقودان خطاً هجومياً ومتشدداً نسبياً، بشأن اتجاهات التمدد الإيراني في المنطقة. ومع أن الرئيس هو من يقرر في نهاية الامر، لكن دائماً تحضر في خلفية المعلقين في إسرائيل «ميوله الانعزالية، ومعارضته طوال الحملة الانتخابية التورط في حروب زائدة»، كما لفتت «هآرتس».
على خطّ مواز، يقود وزير الدفاع الأميركي، حالياً، الجهود من أجل بلورة سياسة إزاء كوريا الشمالية، المطروحة حالياً في مقدمة جدول الأولويات الدولي للإدارة. ويصعب معرفة ما إذا سيتمكن من قيادة توجه أميركي آخر في الشرق الأوسط. ورأت «هآرتس» أنّ الصعوبات التي يواجهها ترامب في الداخل الأميركي، والشبهات الموجهة إليه، تصعّب عليه إمكان التوصل إلى اتفاق مع الروس حول تقاسم القوى ومناطق النفوذ في سوريا. وهو ما شكّل «مصدر قلق لإسرائيل على المدى الطويل». وينبع هذا القلق من أن الآمال الإسرائيلية في الساحة السورية تتمحور حول إمكان التوصل الى تفاهم بين واشنطن وموسكو بما يضعف محور المقاومة في سوريا.
هذه التقديرات دفعت «هآرتس» إلى التساؤل عمّا «إذا كان ترامب سيشكّل سنداً مكسوراً في ساعة الاختبار الحقيقي».
في السياق نفسه، تناول الرئيس الاسبق لمجلس الامن القومي، اللواء يعقوب عميدرور، ما اعتبره ممرّاً برّياً للمرة الاولى في التاريخ الحديث للإيرانيين إلى البحر المتوسط. ورأى أنّ ذلك سيؤدي إلى تغييرات جيو – استراتيجية في الشرق الاوسط. ووصف هذا التطور بالسيّئ بالنسبة إلى إسرائيل وإلى أنظمة «الاعتدال العربي». وكعادته، واصل عميدرور العزف على الوتر المذهبي عبر وضع الصراع في سياق صراع «سنّي ــ شيعي»، وتقديم إسرائيل كحليف «للاعتدال السنّي»، على قاعدة المصالح والتهديد المشترك.
ورأى أنه بعدما بات الممرّ الإيراني حقيقة قائمة، فقد «حانت لحظة الاختبار لإدارة ترامب» التي في حال تراجعت فإن ذلك «سيحسم مصير الولايات المتحدة كطرف مؤثر في الشرق الأوسط». وسيقدم ترامب على أنه «نمر من ورق»، مشدداً على أن «الاميركيين سيخسرون مصداقيتهم. ودولة عظمى لا تتمتع بالمصداقية ليست دولة عظمى».
وحذر من أن روسيا وإيران تفهمان هذا الوضع وتحاولان إثبات مصداقيتهما على حساب الولايات المتحدة، وهو أحد أسباب إطلاق الصواريخ الإيرانية على قواعد «داعش» في سوريا. ولفت إلى أن التحالف بين روسيا وإيران هو تحالف قوي، ليس لأن رؤيتهما العامة مشتركة، بل لأنهما تكمل إحداهما الأخرى... من جهة تقدم روسيا الغطاء الدولي والاستخبارات، والمساعدة الجوية، وفي المقابل تقدم إيران وحلفاؤها المقاتلين لتنفيذ العمليات على الأرض.