تمثل «مقابر الأرقام»، كمصطلح معروف لدى الفلسطينيين، جرحاً مفتوحاً، وهو يرتبط بشهداء عمليات استشهادية أو من استشهدوا في مراحل مختلفة، وكذلك الذين قضوا في سجون الاحتلال الإسرائيلي تحت وطأة التعذيب، ثم عملت إسرائيل على حجز جثامينهم.


هذه المقابر هي مدافن سرية أنشأتها إسرائيل بعد احتلال فلسطين عام 1948، وفق «حملة استرداد جثامين الشهداء»، لكن أحداً لم يستطع أن يحدد حتى الآن تاريخاً واضحاً لإنشائها. وفي كل الأحوال، تُهان تحت ترابها الكرامة الإنسانية بعد الموت، إذ يمارس الاحتلال انتقاماً من الشهداء وذويهم، بحرمانهم توديع أبنائهم أو إلقاء النظرة الأخيرة عليهم، ودفن جثامينهم في قبورٍ سريةٍ بسيطة من دون شواهد أو أسماء، فلا دليل سوى لوحةٍ معدنيةٍ تحمل رقماً.
ولكل رقم ملف خاص تحتفظ به الجهة الأمنية المسؤولة، ويشمل المعلومات والبيانات الخاصة بكل شهيد. ووفق مصادر إسرائيلية، ثمة أربع مقابر أرقام أقدمها منذ السبعينيات «قرب جسر آدم في غور الأردن»، والثانية تعود إلى عام 2000، وتقع بجوار معسكر «عميعاد» العسكري في شمال فلسطين المحتلة، وجسر «بنات يعقوب» عند ملتقى الحدود السورية – اللبنانية، والثالثة «ريفيديم» وتقع في غور الأردن، والرابعة هي «مقبرة شحيطة»، وتقع في قرية وادي الحمام شمال مدينة طبريا الواقعة بين جبل أربيل وبحيرة طبريا، كذلك كشفت المعلومات أخيراً عن وجود مقبرة إضافية في «يافا»، تم العثور عليها بالمصادفة، وكلها تضم جثامين لآلاف الشهداء الذين قاوموا الاحتلال.


وصل عدد
المحتجزين في
«مقابر الأرقام البحرينية» إلى 19 شهيداً

إلى جانب الانتقام، يرى كثيرون أن «مقابر الأرقام» أُسّست للتغطية على الجرائم بحق الشهداء المختطفين، أو إخفاء معطيات تثبت ممارسة التعذيب حتى الموت، وحتى للتغطية على سرقة أعضاء للشهداء.
وبما أن النظام الحاكم في البحرين انغمس في تطبيعه الحميم مع إسرائيل علانية وعلى مختلف الأصعدة من دون أن يرى في ذلك عيباً، وسابق في ذلك دولاً خليجية أكبر منه، كان لا بد له أن يكون «على دين خليله» ضد المعارضين لسياساته الدكتاتورية.
وتشير المعلومات إلى تعاون أمني وثيق بين الجانبين في أكثر من جانب، ومنه استفادة النظام في البحرين من إسرائيل في برامج التجسّس الإلكتروني على المعارضين، وخطط نصب كمائن للناشطين الميدانيين في الحراك الشعبي المستمر منذ سبع سنوات.
وليس جديداً على نظام الحكم في البحرين أن يفرض عقوبات على المعارضين الأحياء، وإكراههم بممارساته الوحشية في الشارع أو الزنازين وغرف التعذيب، والأخيرة تشهد أبشع أنواع الانتهاكات الموثقة لدى المنظمات الحقوقية الدولية، أبرزها «منظمة العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش»، إضافة إلى تقرير «اللجنة البحرينية المستقلة لتقصّي الحقائق» التي أصدرت 26 توصية استهتر بها النظام كما قالت «العفو».
وقد يكون الجديد أن النظام البحريني أصبح «نموذجاً مثالياً» لتطبيق ما اجترعه من إسرائيل باستنساخ تجربة «مقابر الأرقام» ضد المعارضين، ليصبح بذلك «الخائف الثاني» من الشهداء بعد رحيلهم، والدولة الثانية بعد إسرائيل في «معاقبتها الميت باعتقال جثته»، رغم أن الأخيرة أفرجت بالقوة وفي مراحل عدة عن بعض الجثامين، بعد مماطلة دامت سنوات وعقوداً.
في المقابل، كما إسرائيل تصرّ حكومة البحرين على احتجاز جثامين لشهداء قضوا في ظروف مختلفة على أيدي الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، كالقتل تحت وطأة التعذيب، أو التصفية الميدانية وأحكام الإعدام، كما حدث لعددٍ من المُطاردين والمعتقلين مطلع العام الجاري.
تؤكد مصادر حقوقية بحرينية أن الحكومة، منذ «انتفاضة الكرامة» في تسعينيات القرن الماضي حتى العام الجاري، احتجزت 13 جثماناً، وأقدمت على دفنها في مقابر بإشراف الجهات الأمنية وتعيينٍ وتحديد منها، من دون السماح لذويهم بإلقاء النظرة الأخيرة أو إقامة مراسم التشييع، التي تتحول عادة إلى تظاهرةٍ سياسيةٍ بشعاراتٍ مناوئةٍ للنظام، وتحميل حاكم البلاد مسؤولية سفك دماء المعارضين المطالبين بتحول ديموقراطي بالأطر السلمية.
بعد ذلك، لجأ النظام إلى فرض تجربة «مقابر الأرقام» على ثلاثة شهداء أقدم على إعدامهم بالرصاص في كانون الثاني 2017. وبدلاً من تسليم جثامينهم لذويهم، أرسل بكل قسوةٍ بدلات الإعدام الملطّخة بدمائهم إلى عائلاتهم، في عقاب وإذلال نفسي لهم. وتكرر الأمر نفسه بعد أقل من شهرٍ مع ثلاثة ناشطين تمت تصفيتهم ميدانياً، فكان مصير الجميع إلى «مقابر الأرقام بالنسخة البحرينية»، ومحاصرتها بالقوات الأمنية لعدةِ شهور من أجل منع ذويهم من زيارتها، وتجريم وتهديد ذوي الشهداء أمنيّاً في حال وضعوا أكاليل الزهور على قبور أبنائهم، كما حدث قبل أيامٍ مع زوجة الشهيد محمّد الساري، أحد ضحايا مجزرة الدراز.
وبعد يومين من قمّة الرياض، ولقاء حاكم البحرين حمد بن عيسى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شنّت القوات الأمنية هجوماً دموياً على الاعتصام الشعبي حول منزل آية الله الشيخ عيسى قاسم، في بلدة الدُراز غرب العاصمة المنامة في «23 أيار الماضي»، واعتقلت هناك نحو 300 مواطن، بينهم مصابون في حالات حرجة أصبحوا في عداد المفقودين. أما الشهداء الخمسة، ورغم المطالبات بتسليم جثامينهم، فقد أقدمت السلطات على دفنهم في «مقابر الأرقام البحرينية»، وآخرهم كان الشهيد نبيل السميع، ليرتفع بذلك عدد المدفونين فيها إلى 19 شهيداً.
لم تعلّق السلطات البحرينية لافتة كبيرة تحمل عبارة «مقبرة العدو»، ولم تسمّ الشهداء بالمخربين كما تفعل إسرائيل، لكنها وصفتهم بالإرهابيين، ووضعت «إجراءات أمنية كبيرة» لكل من يقول إنهم شهداء، وهذا أحد أسباب القضاء على «جمعية الوفاق الوطني» و«جمعية وعد» العلمانية، وخاصة لتمجيدهما الشهداء، ولاستمرار مطالباتهما بمحاكمة المسؤولين عن جرائم قتل المحتجين وتنفيذ التوصيات الدولية بإنصاف ضحايا الانتهاكات.
تعلق المتحدثة باسم «اللجنة الشعبية لاسترداد جثامين الشهداء الفلسطينين»، فاطمة عبد الكريم، بالقول إنه «ما دام هناك أسر تطالب بجثامين أبنائها فلن يغلق ملف مقابر الأرقام»، وهذا هو إصرار البحرينيين بمطالبتهم بجثامين أبنائهم للحيلولة دون تمدّد ظاهرة «مقابر الأرقام الإسرائيلية» إلى بلادهم.