الجزائر | تثير انتقادات لاذعة، يوجّهها وزراء إلى سابقيهم، الجدل في الجزائر، بسبب انتماء الوزراء المغادرين والحاليين إلى الأغلبية نفسها الداعمة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وتأكيدهم تطبيق برنامجه. وجراء ذلك، يكشف حالياً عن عدد من الملفات التي أخفقت الحكومة الماضية في تسييرها رغم صرفها مبالغ طائلة.


في هذا السياق، هاجم الوزير الأول الجديد، عبد المجيد تبون، سياسة الحكومة السابقة في مجال الاستثمار رغم أنه كان جزءاً منها. وكشف تبون عن تبذير 70 مليار دينار جزائري (700 مليون دولار) في استثمارات لا طائل منها، وهو رقم صدم كثيرين بالنظر إلى جوّ الأزمة المالية الخانق الذي تعيشه البلاد.
لم يكتف تبون بذلك، بل انتقد سياسة الاستغراق في الاستيراد التي اتبعها سلفه عبد المالك سلال، فقد وصل مجموع الواردات في عهده إلى ما يقارب 250 مليار دولار، مطالباً بتقليص هذه الفاتورة لتشمل المواد الضرورية، والعمل على تلبية الحاجيات الأخرى عبر الإنتاج المحلي.
وفي تصريح آخر مثير، اتهم وزير الصناعة الجديد، محجوب بدة، سلفه عبد السلام بوشوراب، بإنشاء مصانع مزيفة لتركيب السيارات. وقال بدة إن تركيب السيارات في الجزائر هو «استيراد مقنع»، إذ يؤتى بالسيارة مفكّكة جزئياً ثم تجمع من «دون تحقيق أي قيمة مضافة للاقتصاد». ومن نتائج تلك السياسة أن أصبح سعر السيارة المركبة محلياً أغلى من المستوردة، كذلك فإن نزيف العملة الصعبة في الاستيراد لم يتوقف، في حين أن مناصب العمل المستحدثة في تلك المصانع محدودة جداً، وهذا ما يدفع، وفق الوزير الجديد، إلى ضرورة «المراجعة الفورية» لهذه السياسة.
أيضاً، لم يتوانَ وزير الاتصال الجديد جمال كعوان عن مهاجمة سابقه حميد قرين، بكشف فضائح عرفها قطاع الاتصالات في عهد الأخير. وأمر كعوان بإنشاء لجنة تحقيق للكشف عن التجاوزات في عملية منح بطاقة «الصحافي المحترف» بعدما تبيّن أن عدداً من الحاصلين عليها هم من الغرباء عن المهنة. وكانت مدة تولّي قرين هذه الوزارة من بين الأسوأ في تاريخ الجزائر بسبب العلاقة المضطربة التي كانت تجمعه بالصحافيين وملاحقته الصحف والتضييق عليها، إضافة إلى ممارسته ضغوطاً بطريقة غير مباشرة لتعديل الخط التحريري للصحف المعروفة بخطها الانتقادي للسلطة.
وفي قطاع الزراعة، أبدى الوزير الجديد عبد القادر بوعزقي امتعاضه من سياسة «تسيير العقار الفلاحي» الذي يشهد تآكلاً منقطع النظير في الجزائر بفعل غزو الإسمنت المسلح للكثير من الأراضي الشديدة الخصوبة. ورغم أن الجزائر تمتلك مساحات شاسعة، فإنها تعجز عن تأمين غذائها، إذ تناهز فاتورة استيراد المواد الغذائية والحليب 10 مليارات دولار. لذلك يريد الوزير الجديد تبنّي سياسة تحاول تقليص استيراد المواد الغذائية إلى أقصى حد.
هذه الانتقادات التي تبدو ظاهرياً في محلها، تعكس واقعاً سياسياً مضطرباً، كونها تنطلق من وزراء يمثلون في الأصل الاستمرارية في السلطة نفسها التي يقودها بوتفليقة بصلاحيات واسعة يمنحها له الدستور. فالوزراء الحاليون الذين ينتقدون أسلافهم، وعلى رأسهم تبون، كانوا جزءاً من الحكومة الماضية بصفتهم وزراء أو ولاة أو نواباً موالين للحكومة، بل صوّتوا على كل قوانينها وسياساتها التي ينتقدونها اليوم.
واللافت أن الوزراء الذين يتطاحنون في ما بينهم، يؤكدون أنهم يعملون على تطبيق سياسة الرئيس وبرنامجه، إلى درجة أصبح من العسير فيها تمييز معالم هذا البرنامج الذي تختلف فيه التفسيرات إلى الحد الذي يصل إلى التناقض أحياناً.
ويعزو مراقبون جزءاً من هذا التخبّط إلى وجود صراعات شخصية وأحياناً حزبية بين الأغلبية الداعمة للرئيس. وما زاد في جرأة الوزراء، بعضهم على بعض، هو غياب بوتفليقة بسبب ظروفه الصحية، إذ لم يكن يسمح في عزّ حضوره بمثل هذه الممارسات، بل عرف عنه إقالته بعض الوزراء لمجرد خلافات بسيطة كانوا يبدونها علناً. أما الآن، فمرضه المستمر منذ نحو خمس سنوات، أثّر بوضوح في تماسك الحكومات.
في المقابل، ترى المعارضة أن هذه «الفضائح» التي يكشفها وزراء حاليون عن حكومات الرئيس السابقة توضح ترسيخ غياب العقاب. وقال ناصر حمدادوش، وهو رئيس كتلة «حركة مجتمع السلم» (أكبر حزب معارض في البرلمان)، إننا «أمام جرائم مالية واقتصادية حقيقية... لا بد من تحرّك مؤسسات الدولة للتحقيق فيها ومحاسبة ومعاقبة المتورّطين». وأضاف حمدادوش: «لا معنى للاعتراف بالفساد في ظلّ غياب سيادة القانون على الجميع، وعدم تحمّل مؤسسات الدولة لمسؤولياتها».