تونس ــ الأخبار

جاء يوم الاثنين الماضي في مقال ضمن النسخة الفرنكوفونيّة لموقع مجلة «ليدرز» التونسيّة، أنّ رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السبسي، بصدد التحضير لزيارة روسيا في بداية الخريف المقبل، تليها زيارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لتونس.

ويبدو من لغة المقالة، الوثوقيّة، أنّ المعلومة آتية من مصادر مطّلعة، وإن لم يتم يذكر ذلك صراحة. ولم يفت المجلة التذكير بزيارة الحبيب بورقيبة المجهضة للاتحاد السوفياتيّ في السبعينيات، وكيف أنّ «المجاهد الأكبر» (اللقب الذي أطلقه بورقيبة على نفسه) لم يرضَ أن يستقبله غير ليونيد بريجنيف (1964 ــ 1982) شخصيّاً، وهو شرف كان محجوزاً لزعماء الدول الصديقة والشقيقة للاتحاد، وتونس طبعاً ليست منها.
من المعلوم أنّه لم يكن لتونس علاقات قويّة بالسوفيات، حيث فضّل بورقيبة الحفاظ على موقع محايد نوعاً ما بانخراطه في حركة عدم الانحياز، مع ميل إلى أوروبا والولايات المتحدة. وعلى عكس برود بريجنيف، كان الرجل قد استُقبِل بحفاوة في واشنطن زمن جون كينيدي (1961 ــ 1963)، وقُدِّم في الإعلام على أنّه زعيم عربيّ ــ أفريقيّ مساند للولايات المتحدة (وهو بذلك نموذج قلّ نظيره في العالم الثالث)، ويقف سداً منيعاً أمام السوفيات ورجالهم في المنطقة.
ويعود سبب التفضيل أساساً إلى رغبة بورقيبة اللعب على حبل التناقضات العالميّة لضمان استقرار نظامه. فبتحالف كلّ من مصر وليبيا والجزائر مع السوفيات، رأى أنّ من شأن الاتكاء على العصا الأميركيّة، حماية تونس وتقوية موقفه في المنطقة، وخاصّة أمام غريمه جمال عبد الناصر.
ومع قدوم زين العابدين بن عليّ إلى السلطة عام 1987، لم يتغيّر الشيء الكثير. فرغم إنشاء لجنة حكوميّة مشتركة (مع روسيا) في بداية التسعينيات لتسهيل التعاون الاقتصادي والعلمي، لم تشهد العلاقات السياسيّة تبدلات جذريّة، حيث لم يلتقِ بن عليّ سوى مرّة واحدة مع رئيس روسيّ هو فلاديمير بوتين، وذلك على هامش القمة الألفيّة للأمم المتحدة عام 2000، تبعه تبادل للزيارات على مستوى وزراء الخارجيّة وانتهى الأمر عند ذلك الحدّ.
بعد الثورة، حافظ المنصف المرزوقي وحكومة «الترويكا» على المستوى المتدني نفسه من العلاقات، والسبب الواضح هو تباين السياسات بين البلدين. لكن بقدوم السبسيّ إلى سدة الرئاسة نهاية عام 2014، بدأت سياسة تونس تجاه روسيا بالتغيّر، مدفوعة بتطورات حاثّة، حيث شجّعت حادثتا إسقاط تركيا طائرة عسكريّة روسيّة في سوريا، وإسقاط «داعش» طائرة مدنيّة روسيّة فوق سيناء على إعادة التفكير في مستوى العلاقات الثنائيّة، وخاصّة على المستوى الاقتصاديّ. لم يتأخر السبسي في التقاط اللحظة، فأرسل في شهر حزيران/ جوان من السنة نفسها مستشاره السياسيّ محسن مرزوق، في زيارة التقى خلالها وزير الخارجيّة سيرغي لافروف، وسلمه رسالة رئاسيّة إلى بوتين.
من هناك، بدأت العلاقات بالتطوّر أكثر فأكثر، حيث زار وزير الخارجيّة التونسيّ خميس الجهيناوي، روسيا في 14 آذار/ مارس 2016 لمناسبة الذكرى الستين لتأسيس العلاقة بين البلدين. خلال اللقاء، ناقش مع نظيره الروسي مسائل اقتصاديّة، أهمها تكريس تونس كوجهة سياحيّة بديلة من تركيا ومصر، حيث زار تونس عام 2016 أكثر من 625 ألف سائح روسي، والرقم قابل للارتفاع هذه السنة، كما تناولا مسألة إتمام الصفقات بالعملات المحليّة (وهو أمر لم يتحقق بعد)، وقضايا أمنيّة إقليميّة ومحليّة. وقد تحدثت مصادر روسيّة وجزائريّة عن تسليم روسيا صوراً من أقمار اصطناعيّة «ساهمت في إضفاء نجاعة أكبر على عمليات استهداف المجموعات الإرهابيّة المتمركزة في مرتفعات بعض الجبال بين تونس والجزائر»، كما تحدث موقع «ديفانس نيوز» المختص في الشؤون العسكريّة عن نية روسيا تسليم تونس طوافات ومناظير ليليّة وسترات واقية من الرصاص (وهو ما لم يتحقق إلى الآن). وإلى جانب كلّ ذلك، تبادل الوزيران دعوات رئاسيّة، وقد تحدثت حين ذاك وسائل إعلام من البلدين عن زيارات مرتقبة، لم تتحول حتى الآن إلى أمر واقع.
ورغم الزيارات المؤجلة، لأسباب تبدو غير واضحة، بقيت العلاقات في منحاها التصاعديّ، حيث وقّع البلدان في 26 أيلول/ سبتمبر 2016، على هامش الجلسة الستين للوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، اتفاقاً حول التعاون في مجال الطاقة الذريّة لاستعمالات سلميّة في مجالات متعددة. ويقضي الاتفاق بمساعدة روسيا لتونس على خلق وتطوير بنيتها التحتيّة في مجال الطاقة الذريّة بما يتفق والتوصيات الدوليّة ذات الصلة، وذلك على مستوى تخطيط وبناء المفاعلات الطاقيّة والبحثيّة وفي تطوير احتياطات تونس من اليورانيوم واستكشاف مواردها المعدنيّة لتطوير القطاع النوويّ.
اليوم، رغم الجفاء التاريخيّ، يبدو أنّ العلاقات بين تونس وروسيا سائرة إلى التحسّن، بدفع من المصالح المشتركة. إذ تنظر روسيا إلى تونس بوصفها سوقاً واعدة لمنتجاتها ومصدراً مهماً لواردات حُرمت منها بفعل العقوبات الغربيّة المُسلطة عليها. ومن الناحية المقابلة، ترى تونس في روسيا سوقاً مهمة للسياح وللسلع (فتحت تونس خطاً بحرياً مباشراً للتصدير إلى روسيا بدعم حكوميّ، وتفاعلت الأخيرة بخفض 25 في المئة من الضرائب على السلع التونسيّة)، وخاصّة مع تراجع عدد السياح القادمين من أوروبا الغربيّة.
أما من الناحية الرمزيّة، فقد يكون تبادل الزيارات، إذا حصل، نوعاً من التعويض الرمزيّ لمصلحة بورقيبة، فيما سوف يمشي بوتين على أرض هي من الأراضي الأفريقيّة القليلة التي بقيت خارج نفوذ أسلافه على امتداد عمر اتحادهم.