لم تنحصر أزمة الكهرباء في حدود قطاع غزة المحاصر منذ إحدى عشرة سنة، بل امتدت ليصل مداها إلى فلسطين المحتلة أيضاً. بالتأكيد، ليس لناحية المعاناة، فالإسرائيليون قد لا يعرفون شيئاً عن انقطاع التيار الكهربائي، وقد يستغربون إذا ما سمعوا مثلاً عن اختراع اسمه «الديجونتير».


هم أيضاً لم يختبروا القدرة على العيش من دون مُكيّف في طقس حار كهذا، وإذا ما قطعت التيار عنهم الشركة الإسرائيلية (بسبب خلل تقني أو مد خطوط وغيرها)، لن يخجلوا من مطالبة الأخيرة بتعويضهم مادياً، أو حتى معنوياً.
تلك «طبيعة» عيش المواطنين في مختلف أنحاء العالم، هؤلاء من الذين «حالفهم الحظ» ووجدوا أنفسهم في دول لا أزمات كهربائية فيها، بخلاف سكان غزة ولبنان على سبيل المثال. لكنهم لن يبقوا طويلاً على «رفاهيتهم» من دون أن يسددوا، ولو «أضعف إيمانهم». فقد انتقلت أزمة الكهرباء من القطاع إلى المستوطنات الاسرائيلية الواقعة في محيطه، لتُغلق منذ أربعة أيام بعض الشواطئ في جنوب فلسطين المحتلة أمام المستجمين الإسرائيليين.
إغلاق شاطئي «زيكيم» و«أشكلون» دفع رئيس بلدية الأخيرة، تومر غلئام، إلى مطالبة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بإيجاد حل لأزمة الكهرباء في غزة. السبب ليس أنه شعر بالأسى تجاه الغزيين، بل لأن محطة تكرير المياه الآسنة في القطاع لم تعد تعمل نتيجة انقطاع التيار الكهربائي. وقال غلئام: «طالبت رئيس الحكومة، وكل الوزراء العمليين بأن يجدوا حلاً لأزمة الكهرباء، أو حلاً يوقف تسرب المياه العادمة... نحن في ذروة موسم الاستجمام، وآخر شيء أرغب فيه هو إغلاق الشواطئ».
وقدّرت وزارة الصحة الإسرائيلية أن السبب الذي يقف خلف تلوث الشواطئ الجنوبية «ضخ نحو 110 آلاف كوب من المياه العادمة يومياً من القطاع» في البحر، مضيفة أنه «ما دام لا يوجد حل لأزمة الكهرباء، ستبقى الشواطئ الجنوبية مغلقة بوجه المستجمين الإسرائيليين». كذلك لم يقتصر التلوث على الشواطئ، بل امتد ليصل إلى مستوطنة «ناتيف هسعراه» الواقعة شمال غرب معبر «إيريز»، ما أضرّ ببعض الآبار الجوفية فيها.


سبّبت أزمة الكهرباء توقف محطات تكرير مياه الصرف الصحي

في هذا الإطار، أوضحت وزارة الصحة أنه بعدما استخدمت معدات تكنولوجية متطورة لقياس نسبة التلوث، وجدت «نتائج خطيرة جداً لم يسبق أن شهدتها، ولذلك أصدرت أمراً بإغلاق الشواطئ ومنع السباحة فيها». أمّا منظمة «أكوبيس» البيئية، فقالت في بيان، إن «نسبة التلوث بالمجمل ارتفعت ثلاثة أضعاف منذ احتدت أزمة الكهرباء في غزة». وقال المدير التنفيذي لـ«أكوبيس» في الشرق الأوسط، جدعون برومبرغ، إن «الإهمال واللامبالاة وصلا إلى أعلى مستوياتهما، فالحديث عن محطة لتكرير المياه العادمة، أنشئت باستثمار نحو 20 مليون دولار أميركي من البنك الدولي، ولكنها غير قادرة على العمل بسبب أزمة الكهرباء». وأضاف: «نحن غير متفاجئين، ما دام هذا الموضوع نوقش مرات عدّة داخل اللجان الوزارية (الإسرائيلية)، بالإضافة إلى أن تقرير مراقب الدولة الأخير حذّر من ذلك».
كذلك، حمّل برومبرغ مسؤولية إغلاق الشواطئ الإسرائيلية لـ«قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس». ورأى أنه إذا لم تُحل أزمة الكهرباء، وفي النتيجة، بقي ضخ المياه العادمة إلى الشواطئ بهذه الكمية، فمن الممكن أن «يعرض ذلك نحو المليون إسرائيلي للخطر نتيجة احتمال تلوث المياه الجوفية... خطر لن تسطيع القبة الحديدية الوقوف في وجهه»، في إشارة إلى منظومة «دفاعية» يستخدمها جيش العدو لاعتراض صواريخ المقاومة.