رام الله | في السابع والعشرين من أيار الماضي، كان محمود زيادة يجلس في خيمة الاعتصام تضامناً مع إضراب الأسرى الفلسطينيين. كان ذلك هو اليوم الـ41 والأخير لإضرابهم، فيما كان ابنه الأسير مجد زيادة من جملة من شاركوا في ذلك الإضراب (سُمّي «إضراب الكرامة»)، وكانوا قد شرعوا به في منتصف نيسان الماضي.


«رقصت فرحاً... ابتداءً من تلك اللحظة سيُرفع المنع الأمني وسيصبح بإمكاني زيارة ابني مرتين في الشهر»، يقول الأب محمود، مستذكراً عندما نقلت وسائل الإعلام أن إدارة السجون الإسرائيلية استجابت لمطالب الأسرى. واعتقلت قوات الاحتلال الأسير مجد عام 2002 بتهمة «تنفيذ عمليات إطلاق نار» ضد الاحتلال، ولم يكن آنذاك قد تجاوز سن الـ18، ثم حكم عليه بالسجن 20 عاماً، فيما لم يسمح لوالده وعائلته بزيارته إلا لمرات محدودة بحجة «المنع الأمني».
وفرض الاحتلال على مجد ومئات الأسرى الآخرين حالة «المنع الأمني»، وفيها يمنع ذوو الأسرى من زيارة أبنائهم، فلا تصدر لهم تصاريح زيارة كباقي العائلات. حتى في حال إصدارها، فإنها تكون لمرة واحدة وقد تسحب منهم. يضيف والد مجد، الذي يحصل على تصريح لمرة واحدة كل عدة أشهر ولا تجدد تلقائياً له، إنه لم ير ابنه منذ شهور، حتى قبل إضرابه عن الطعام. ليس ذلك فحسب، بل قد يعمد جنود الاحتلال إلى سحب تصاريح الزيارة خلال مرور ذوي الأسرى على الحواجز، رغم تنسيق أصحابها للزيارة مع منظمة «الصليب الأحمر» الدولية.
ورغم انتهاء الإضراب منذ أقل من شهرين، تسود في السجن حالة من التوتر نتيجة تأخر إدارة سجون الاحتلال في تنفيذ مطالب «إضراب الكرامة». هنا يقرّ وزير شؤون الأسرى والمحررين في السلطة الفلسطينية، عيسى قراقع، بأن «إدارة السجون أبدت استعداداً لتنفيذ المطالب (قبل فك الإضراب)، لكن على أرض الواقع لم تنفذ أياً منها، خاصة في ما يتعلق بزيادة عدد زيارات أهالي الأسرى ورفع المنع الأمني... ورؤية الأسرى لأطفالهم» من دون زجاج. وأعلن قراقع أن الأسرى أبلغوا إدارة السجون بأنّ عليها تنفيذ المطالب خلال شهر من الآن، وإلا فإنهم سيعاودون الإضراب مع «اتخاذ إجراءات تصعيدية في السجون».
ومن المطالب التي كانت تندرج تحت تحسين الأوضاع المعيشية، السماح للأسرى بشراء احتياجاتهم كافة من الخضراوات، لكن الاحتلال استخدم ذلك كإجراء عقابي ضدهم، فقد أغلق الحساب الذي تودع فيه عائلة الأسير مجد مبلغاً مالياً كل شهر من أجل مصروفات «الكانتينا» (مقصف السجن) عقاباً على مشاركته في الإضراب. وعلمت عائلة زيادة بذلك عبر التواصل مع الأهالي الذين يسمح لهم بالزيارة.
ويضيف الأب محمود: «عرفت من زيارة أحد الأهالي لابنهم الأسير أن مجد قد أجرى عملية جراحية صعبة جداً في أذنه الأسبوع الماضي، ولم نكن على علم بذلك»، مشيراً إلى أنه قبل عامين من الآن توفيت والدة مجد بعد صراع مع المرض، وحرم الاحتلال ابنها رؤيتها طوال مرضها، في ظل أن المنع يشمل العائلة بأكملها.
من جانب آخر، يتكرر مشهد الوقفة الاحتجاجية في المكان نفسه في رام الله، لكن مع اختلاف القضية. ففي خيمة الاعتصام، تجلس زوجة الأسير إبراهيم شلش المحكوم عليه بالمؤبد، احتجاجاً على قرار الحكومة الفلسطينية قطع رواتب 277 أسيراً ينتمون إلى حركة «حماس». ولا تعرف عائلات الأسرى، ومن ضمنها شلش، كيف يمكن أن تواصل حياتها بعدما قطعت السلطة راتبهم الشهرين الماضيين، خاصة أن غالبية الأسرى يمثل راتب السلطة بالنسبة إليهم مصدر رزقهم الوحيد.
وتتساءل ليلى شلش عن «الجهة الرسمية التي يمكنها التواصل معها لحل المشكلة، ولا سيما أن الحكومة تنكر هذا القرار وحدوثه، رغم أن البنوك أعلمت أهالي الأسرى المقطوعة رواتبهم أنها تلقت قراراً من السلطة تطلب فيه تجميد رواتب أسرى حماس».


يهدد الأسرى بالعودة إلى الإضراب بعد شهر إذا لم يُنفَّذ الاتفاق


في هذا الجانب، يعقّب عيسى قراقع بالقول إن «قرار قطع الرواتب إجراء سياسي على خلفية تداعيات الانقسام وخلافات مع حماس، ولا علاقة لوزارة شؤون الأسرى بالموضوع»، وذلك في وقت تدعي فيه وسائل إعلام إسرائيلية أن قطع رواتب أسرى «حماس» جاء تلبية لجملة من المطالب الإسرائيلية والأميركية قبل العودة إلى مفاوضات التسوية. ووفق قراقع، تتواصل هيئته مع العائلات المقطوعة رواتبها، كذلك فأنها في مناقشات مع الحكومة لوقف قرار قطع الراتب رغم غياب أفق للحل اللحظة.
أيضاً، يصف رئيس «نادي الأسير» قدورة فارس، قرار قطع الرواتب عن الأسرى بالقرار «اللقيط»، لأن «جميع الجهات الرسمية، بما فيها الحكومة تتنصل من هذا القرار ولم تتبنّه أي جهة».
في المقابل، نفى المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية، يوسف المحمود، في اتصال مع «الأخبار»، أن تكون السلطة قد أقرّت إجراء قطع الرواتب، رافضاً التعليق على تفاصيل القرار بالقول: «لم تتخذ الحكومة أي قرار كهذا، ولا توجد لدي تفاصيل حول الموضوع». كذلك لم تناقش الحكومة مع «نادي الأسير» أو هيئة الأسرى قرار قطع الرواتب، كما يشرح قدورة فارس.
رغم غياب جهة واضحة يمكن اللجوء إليها، لم تفارق زوجة الأسير شلش خيمة الاعتصام منذ قطعت السلطة راتب زوجها، ولم تترك جهة رسمية إلا وتواصلت وباقي عائلات الأسرى معها، كذلك وجهوا رسالة إلى رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بخصوص القضية، لكن الرد لم يأت بعد. وترى شلش أن حال قضية الأسرى قد تغيرت إلى أسوأ سيناريو ممكن، فبعدما كانت تتضامن في خيمة الاعتصام مطالبة بالإفراج عن زوجها الذي أمضى 17 عاماً ولا يزال يقبع في السجن، أصبحت الآن تعتصم احتجاجاً على قطع راتبه!