الدوحة ـ الأخبار

شدّ العصب الواضح على ملامح القطريين وفي تعليقاتهم يريح حكّام الإمارة في مواجهة قلق تاريخي من قيام دول الجوار بفتنة تؤدي إلى انقلاب داخلي. ما قام به السعوديون والاماراتيون، في شهر رمضان الماضي، شكّل عنصر استفزاز غير مسبوق عند القطريين الذين افتقدوا، خلال يومين، لكمية كبيرة من المواد الغذائية التي كانت تأتي عبر السعودية.

صار الحديث عن تجويع مقصود. ومع مسارعة الحكومة إلى اجراءات طارئة منعت تفاقم الأزمة، عاش المواطنون أيام غضب إضافية بعد مباشرة دول الجوار إبعاد أبنائهم وعائلاتهم إلى الدوحة، ومنعهم من زيارة أقاربهم أو الاستعداد للاحتفال معهم في العيد القريب حينها.
وخلال وقت قصير، انعكس شدّ العصب تعبيرات أخذت طابعاً شعبياً. صحيح أنّه في بلدان عربية يطلق قريبون من الحكم حملة ينضم إليها الناس طوعاً أو خوفاً، لكن رفع صورة الأمير الحاكم وأعلام البلاد، حاكت ما في مخيلة هؤلاء من مظاهر التضامن الوطني الحاصل في بلاد الغرب في مواجهة الأزمات الوطنية. إلا أن الأمر لا يقتصر على هذا الجانب، إذ أنّ الاستنفار الكبير من جانب أجهزة الحكم عزّز من صورة التماسك البادية لكل زائر إلى قطر بعد الحصار، خصوصاً في تلك السهرات الرمضانية، حيث لا حديث سوى هذه المسألة. وفي لقاءات العمل الجارية بين القطريين والمقيمين، سرعان ما يتحول الموضوع إلى بند وحيد على جدول الأعمال... حتى التواصل مع الخارج، ينحصر في السؤال عن الأزمة ومآلها. كما أنّ الاعلاميين القطريين الذين عادة ما يتولون مناصب قيادية من دون أدوار تنفيذية، أصبحوا يطلون على الشاشات ويشاركون في حوارات ويكتبون المقالات بخلاف ما اعتادوا عليه سابقاً، إلى درجة أن نكتة راجت عن ضلوع هؤلاء في اشعال الأزمة ليتسنى لهم الظهور على منبر «الجزيرة» الذي ظلّ على الدوام ممنوعاً عليهم، لعدم وجوب مشاركتهم في نقاشات وحوارات تتعلق بسياسة بلادهم.
ماذا حصل في الشهر الأول؟
سارعت الحكومة القطرية إلى التواصل مع جميع أصدقائها في الاقليم، معلنةً خطة استنفار ألزمتها صرف موازنة إضافية قُدّرت بنحو مليار دولار لتوفير خط امداد مفتوح للتموين الغذائي وسدّ الحاجات التي تحتاجها مشاريع الأعمال المنطلقة على أكثر من صعيد، ومعالجة مشكلة خطوط الطيران. وترجم ذلك بتوفير كمية كبيرة من البضائع وبالأسعار نفسها، مع تولي الحكومة توفير الدعم الناجم عن ارتفاع كلفة الاستيراد. ثم جرى التواصل مع شركات طيران عالمية واقليمية لسدّ النقص الناجم عن اقفال مسارات في وجه الطيران القطري، خصوصاً أنّ عشرات الالاف من المقيمين يغادرون مع اقتراب موسم الصيف وبدء الإجازات المدرسية، بالإضافة إلى خروج بعضهم بصورة نهائية.
ولمواجهة حال الهلع التي تنعكس عادة على الأسواق المالية، ضخّت الحكومة الدولارات لحماية سعر الريال، بعدما دفع القلق كثيرين إلى طلب تحويل ودائعهم إلى العملة الأميركية. ومع الوقت، صار التشدّد في المصارف سمة، خصوصاً عندما يلجأ مقيمون أو مواطنون إلى شركات لطلب تحويلات مفاجئة من الأموال بالعملات الصعبة إلى الخارج. وثمة أسئلة كثيرة تُوجّه هذه الأيام إلى طالب هذه الخدمة، علماً أنّ الضغط على الريال في خارج قطر فعل فعله، حتى وصل السعر في بعض الأماكن، كبيروت مثلاً، إلى 3.85 ريال مقابل الدولار. علماً أنّ الحكومة القطرية عمدت إلى صرف مبالغ غير قليلة كانت مستحقة بذمتها لشركات ورجال أعمال، كما أنشأت هيئة خاصة لمساعدة المتضررين من الحصار. وعندما أعلنت عن فتح البلاد أمام دخول جنسيات جديدة من دون «فيزا» مسبقة، كانت تدرس احتمال قيام دول بسحب رعاياها، واحتمال انعكاس ذلك على القوة العاملة، مع العلم أنّ شروط تحويل التأشيرة السياحية إلى إقامة لا تزال معقدة.


اتصالات من
الدولة بمسؤولين
عرب كانوا على
صلة سابقة بها

في سياق آخر، كانت الاجتماعات مفتوحة مع جميع الفعاليات القطرية. الأمير نفسه ومساعدون تولوا التواصل مع الجميع من أفراد العائلة الحاكمة أو العائلات الشريكة في الحكم إلى بقية العائلات، خصوصاً المرتبطة بوضع قبلي مع آخرين خارج الإمارة. وترافق ذلك مع تعزيز التواصل مع رموز المتديّنين لمنع أي حملة مضادة، وتضمنت هذه اللقاءات توضيحات بعضها حازم لجهة منع أي خروج عن الاجماع، وتعزيز الولاء للأمير. وترافق ذلك، مع استنفار في الأجهزة الأمنية والعسكرية والوحدات المسؤولة عن حماية المؤسسات الرسمية وحقول الغاز، بالاضافة إلى استنفار لمراقبة كل أنواع الاتصالات الهاتفية والالكترونية. وتمت الاستعانة بأصدقاء من دول خارجية لهذه الغاية مع فرض رقابة عن بعد على بعض الشخصيات ومجموعة من المقيمين.
صحيح أن الاستنفار الحكومي يستهدف منع التأثيرات العميقة للحصار على الوضعين المعيشي والاقتصادي، إلا أنّ المخاوف ظلّت مرتبطة باحتمال لجوء الدول المحاصرة إلى اجراءات عقابية من النوع الذي يؤثر على الأعمال الضخمة، سيما أن مسؤولين في شركات اقليمية ودولية أعربوا عن خشيتهم من تخييرهم بين البقاء في الدوحة ومغادرة أسواق السعودية والإمارات. وعين قطر هنا على مشاريع تطوير للبنى التحتية، والمشاريع المتصلة بالاستعداد لاستضافة مونديال 2022، اضافة إلى الخشية من تراجع سمعة بعض المؤسسات القطرية دولياً، كبعض شركات الاستثمار وشركة الطيران.
وفي جانب آخر، باشرت الدوحة خطة تنمية لقطاعات انتاج متخصصة بالمواد الغذائية، منها معامل تتصل بتربية الدواجن وانتاج الألبان والأجبان والحليب. وهي فتحت الباب أمام شركات اقليمية للتقدم بمشاريع في هذا الصدد، بينما سارعت إلى توقيع عقود استيراد مع شركات في المنطقة، والاتفاق مع تركيا وإيران وسلطنة عمان على تأمين استمرارية تدفق الحاجات عبر أجوائها أو مياهها الاقليمية. ولم يناقش القطريون في دفع الأسعار الاضافية مقابل ضمان تقديم تلك الخدمات، حتى أنّ البعض رأى في قرار رفع مستوى إنتاج الغاز من الحقل الشمالي المشترك مع إيران، بأنه تسريع لمشروع قديم وهدفه توفير العائدات الكافية لتغطية أي عجز ينتج عن الحصار، ولمنع الاضطرار إلى اجراءات تنعكس تراجعاً في الخدمات العامة أو تمسّ دخل ومستوى معيشة القطريين.
بالنسبة لكثيرين، فإن النقاش الجدي يحصل الآن على مستويات رفيعة، بما خص الفترة اللاحقة لانتهاء شهر الصيف. ولم تنشر معطيات تدل على حجم تأثر برامج القطريين للسياحة الخارجية بالأزمة، وإن كان كثيرون يتحدثون عن حثّ الحكومة المواطنين على البقاء لمواجهة كافة الاحتمالات. وينفي متصلون بالمسؤولين القطريين أية خشية من مغادرة مواطنين أو مقيمين تحت ضغط دول الحصار.
وعلى هامش الاستنفار، كانت الماكينة الاعلامية قد استعدّت للمواجهة، ولم تمض أيام قليلة على بدء الحصار حتى تقرر رفع سقف الهجوم الاعلامي، وجرى اعتماد استراتيجية تقوم على قاعدة تقديم شعار «المظلومية بسبب الحصار» من جهة، وعلى «مواجهة مشروع كم الافواه» من جهة ثانية، علماً أنّ البعض تحدث عن خطط طوارئ لمواجهة اي حصار اعلامي، من خلال وضع برنامج تنتقل بموجبه غالبية الوسائل الاعلامية، بما فيها قسم كبير من قناة «الجزيرة» إلى لندن وتركيا لمواصلة العمل إن حصل ما يوجب ذلك. وترافقت هذه الخطوة مع النشاط الدبلوماسي الكبير في مختلف دول العالم. حتى أن مسؤولين في دول عربية كانوا على صلة سابقة بالحكومة القطرية تلقوا اتصالات من مسؤولين رفيعي المستوى في الدوحة، بعضها هدف إلى دعوة هؤلاء لزيارة الإمارة. كما جرت استعادة لعلاقات سابقة مع سياسيين وناشطين اعلاميين في أكثر من عاصمة بهدف حشد التأييد السياسي والاعلامي والحقوقي. وقال زائر بارز لقطر إن في الدوحة اليوم من يقيم اختباراً لجميع من دعمتهم قطر خلال السنوات الماضية، سياسياً ومالياً واعلامياً لتكتشف من سيقف معها ومن سينتقل تماماً إلى الضفة الاخرى. مع الإشارة إلى أنّ مراجعة وقائع النقاش والسجال الدائر حول الأزمة القطرية، لا يدل على أنّ الدوحة تملك نفوذاً استثنائياً، بقدر ما أنها تستفيد من غباء وسذاجة خصومها في دول الحصار.