في مركز لتأهيل «الجواسيس» في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، يردد عشرون طالباً يرتدون البزات العسكرية، وهم جالسون خلف أجهزة كومبيوتر، أولى الكلمات العربية، على أمل إتقان هذه اللغة في غضون 24 شهراً قبل أن ينصرفوا إلى العمل الميداني. وسوف يُرسَل هؤلاء إلى مكان ما في منطقة الساحل (أفريقيا) أو الشرق الأوسط، وفقاً لعمليات الجيش الفرنسي، «للتنصت على العدو واختراق معلوماته».


ولا تقف الاهتمامات عند حدود اللغة العربية، فعملياً تحتل هذه اللغة مركز الصدارة في المشهد الجيوسياسي الجديد، إلا أنّ اللغة الروسية لا تفقد أهميتها بعدما طُويت صفحة الحرب الباردة. فمنذ 2014، يقوم الروس بعملية عودة قوية إلى منطقة المتوسط وأبواب الاتحاد الأوروبي.
ويشرح رئيس التدريب والمسؤول الثاني في المركز الليوتنانت كولونيل جيل، أنّه «في التسعينيات، درّبت المدرسة فرقاً لغوية باللغتين الصربية ــ الكرواتية والألبانية، (لكن) انتقل مركز الثقل إلى أماكن أخرى».
ومن خلال ست ساعات يومياً من التدريب، من دون احتساب العمل الشخصي في المساء أو في نهاية الأسبوع، يكتشف هؤلاء الطلاب قواعد اللغة ومختلف اللهجات. ثم يذهبون لتعلم اللغة في إستونيا، أو مصر، أو طاجيكستان.


يكتشف المتدربون قواعد اللغات قبل الذهاب لتعلمها في مصر أو غيرها

ولا يتم الكشف في هذا العالم الغامض عن أسماء العائلات والعلاقات الشخصية والتدريب أمام الزائرين القلائل الذين يسمح لهم بدخول باب مبنى «شتيرن» العسكري الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر.
وتقول المتدربة كاترين (22 عاماً)، إنّ ما يحتاج إليه المقاتل هو أن يتعلم بوتيرة سريعة لغة عمل جديدة، العربية أو الروسية في غضون 24 شهراً، والصينية في 36 شهراً، في وقت يتدرب فيه آخرون على «مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي». وتضيف أنّ «ما يجذبني هو أن أتعلم لغات نادرة بسرعة فائقة، وأن أعرف أن مسؤوليات ستلقى على كواهلنا بعد ذلك، وهذا دور أساسي في شبكة الاستخبارات».
وهذه المدرسة العسكرية الفعلية التي تضطلع بدور ريادي في «مكافحة الإرهاب»، تدرب عدداً متزايداً من العملاء «الجواسيس» لـ«حروب المستقبل». ويقول قائد المركز الكولونيل إيمانويل، إنّ «الاستعلام هو الاستباق حتى يتاح لك الوقت لإحراز خطوة متقدمة على القوى المعادية».
ويتعلم المتدربون التعامل مع «دفق المعلومات» لإحصاء عناوين آخر المعلومات التي يمكن الاطلاع عليها عبر الإنترنت حسب المواضيع. وبمجرد التقاط المعلومة، ينبغي تعلم تفسيرها وتوليفها واستخدامها لأغراض عسكرية. وللتدرب على ذلك، يعمل المتدربون على حالات حقيقية، غالباً ما تكون مصنفة سرية.
ويوجز رئيس المركز الوضع، قائلاً: «إضافة إلى الوسائل العسكرية المحضة، يتوافر كثير من المعلومات الضرورية في المصادر المتاحة. وتكمن المهارة في الاستفادة من هذه المعلومة مباشرة».
المايجور آلان الذي قام بخطواته الأولى على صعيد تعلم اللغة العربية خلال حرب الخليج في 1991، يعتبر أنه «من قبل، كان كل شيء أسهل، كنا نرى جيوشاً ونتابع تحركات القوات. ومن خلال 400 أو 500 كلمة، كنا نقوم بعملنا على ما يرام. أما اليوم، فنضرب هذا الرقم بعشرة».
ويشير حديث المايجور آلان إلى أنه بات كل شيء يجري على شبكات الأقمار الاصطناعية، حيث يمكن أن تخفي المناقشات التافهة معلومات ثمينة حول تحضير طائرة مسلحة بلا طيار أو زرع لغم، على سبيل المثال.
المسؤول عن التدريب على البحث في شبكة الإنترنت الكولونيل باتريك، يقول: «لا نتعلم كسر الرموز، (إذ) لن نقوم بعملية قرصنة ضد وزارة الدفاع الأميركية»، مضيفاً أنه «على شبكات التواصل الاجتماعي، إذا كان الشخص ثرثاراً في فرنسا، فسيكون كذلك في سوريا أيضاً».