سيناء | بعدما غادرت عشرات العائلات السيناوية منازلها في المنطقة الحدودية في مدينتي الشيخ زويد ورفح، في شبه جزيرة سيناء، جراء مقتل وإصابة المئات منهم بسبب قصف المنازل بقذائف الهاون واقتحام الرصاص غرف النوم، بدأت تلك الأسر بالعودة من جديد إلى البيوت التي ظلت لسنوات تترقب خطى أصحابها.


وخلال اليومين الماضيين، سمح الجيش المصري للنازحين من سكان الشيخ زويد، شمال شرق سيناء، بالعودة إلى ديارهم بعدما رحلوا عنها قبل عامين أو أقل، عاشوا خلالها ظروفاً معيشية صعبة، واضطروا كذلك إلى العيش في أكواخ بدائية في صحراء غرب العريش، دون أدنى اهتمام من الدولة التي لم تكفل لهم حتى الطعام والشراب.
وقال مصدر عسكري إن الأحياء التي سُمح بعودة سكانها هي الترابين المجاور لقسم شرطة الشيخ زويد، وأبو زيتون وأبو رفاعي وأبو فرج جنوب الشيخ زويد، بعدما «تركوا منازلهم بسبب الحرب بين الجيش والتكفيريين حتى سيطرت القوات المسلحة كلياً على المنطقة».
يقول أحد العائدين، واسمه أحمد الحمادين، من سكان الترابين، إنهم للوهلة الأولى تمنوا لو لم يعودوا، بعدما اكتشفوا أن منزلهم المكون من ثلاث طبقات تحول إلى ما يشبه الركام، وأضاف أن القصف شوّه البيت، مبيناً أنهم عادوا إلى «حياة القرون الوسطى... لا ماء ولا كهرباء في بيوتنا».
هكذا اختفت الفرحة من وجوه الناس الذين حملوا أعلام بلدهم مصر وهم عائدون بعد ساعات أخرى من الانتظار في موقف السيارات حتى سمح لهم الجيش بالتحرك. كذلك توجد مهمة أخرى على عاتقهم هي تنظيف الأحياء وبيوتهم من آثار اشتباكات حدثت في أوقات سابقة بسبب إهمال السلطات المسؤولة مسؤوليتها في هذا الجانب، عدا التعليمات المشددة من الجيش لهم بمنع «الغرباء من دخول الحيّ والإبلاغ عنهم فور رصدهم».
وبينما يعاني سكان الترابين غياب الخدمات، لا يزال سكان قرى وأحياء أخرى يترقبون السماح لهم بالعودة إلى ديارهم، لكن المصدر العسكري يوضح أن هذه العودة المحدودة جاءت جراء «تطهير الأحياء المذكورة من البؤر الإرهابية كلياً، ومراعاة لظروف الشتاء... لقد سارعت القوات بتقديم معونات غذائية وعينية للناس».


قُتل 8 جنود
من الجيش و5 مسلحين في هجوم قرب العريش

رغم ذلك، ينظر بعض السكان، الذين تحفظوا على ذكر أسمائهم، إلى أن سماح الجيش للأهالي بالعودة إلى بيوتهم «ليس قراراً بريئاً»، ويقدر عدد منهم أنه بعدما فرغت المنطقة من سكانها صار الجيش صيداً سهلاً للمسلحين وافتقدت قيادات الجيش معلومات الأهالي عن تحركات المسلحين. لكن المصدر الذي تحدث إلينا، نفى ذلك، قائلاً إن «قوات الجيش تؤمن محيط الشيخ زويد كلياً، واستجبنا لمطالب الأهالي، خاصة تأمينهم أثناء تنقلاتهم... وتوزيع مساعدات عليهم».
وأضاف المصدر نفسه أن «القوات المسلحة تناشد سكان الشريط الساحلي في مدينتي رفح والشيخ زويد العودة إلى منازلهم التي تركوها بسبب الحرب على الإرهاب، خاصة جميع القري الساحلية في رفح والشيخ زويد مثل الحسينات وياميت والديبة وأبو شنار والأحراش».
في السياق، قال النائب إبراهيم أبو شعيرة، وهو عضو مجلس النواب عن دائرة الشيخ زويد، إن عودة الأهالي ستتواصل تباعاً ممن تركوا ديارهم للظروف الأمنية الصعبة، مقرّاً بأن «الأهالي دفعوا الثمن غالياً، خاصة مع اضطرارهم إلى البحث عن مساكن بديلة داخل الشيخ زويد أو المدن المجاورة».
وكانت القوات المسلحة قد عطّلت، أول من أمس، عبوتين ناسفتين أثناء عودة أهالي حيّ الترابين إلى ديارهم. وتمكنت سيارة الكشف عن المتفجرات من تحديد موقع عبوتين على مدخل حي الترابين زرعها المسلحون قبل انسحابهم من الشيخ زويد، ثم عمدت القوات إلى تفجيرها بالذخيرة الحية دون وقوع إصابات في صفوف القوات أو الأهالي.

«ولاية سيناء» تتكيّف مع ضغط الجيش

على صعيد آخر، بات لدى تنظيم «ولاية سيناء»، المبايع لـ«داعش»، استراتيجية جديدة بدأ في تنفيذها على أرض شبه جزيرة سيناء، بعد تشديد الجيش المصري ضرباته على نقاط التنظيم وتجمعاته في مناطق شمال شرق سيناء، خاصة مدينتي الشيخ زويد ورفح.
واعتمد عناصر «الولاية» على أسلوب الكرّ والفرّ ما بين مناطق الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، وضرب مواقع بعيدة عن الضوء العسكري (الكثافة الأمنية)، واختراق الحواجز التي تضم قوات حراسة متوسطة باستهدافها أولاً بسيارات مفخخة، تسبقها وتتلوها ضربات متلاحقة بقذائف صاروخية من طراز «آر بي جي».
وأول من أمس، نفذ «ولاية سيناء» هجوماً على حاجز الغاز الواقع في منطقة السبيل، جنوب غرب مدينة العريش، بدءاً باستخدام عربة دفع رباعي مفخخة بكميات كبيرة من المواد شديدة الانفجار، ما أدى إلى مقتل ثمانية جنود وإصابة عشرة آخرين بينهم ضابط برتبة نقيب.
ينقل مصدر أمني في الجيش أنه فور تنفيذ الهجوم، اشتبك أفراد الكمين مع المجموعة المسلحة وتمكنوا من قتل ثلاثة مسلحين وإصابة آخرين، لكن الهجوم أوقع إصابات بين قوات الجيش، حتى تدخلت مروحيات حربية من طراز «أباتشي» لملاحقة المسلحين. يضيف المصدر أنهم استطاعوا، أمس، إحصاء نحو 13 قتيلاً، من بينهم جثث لخمسة مسلحين، فيما يجري البحث عن اثنين مفقودين من الجيش.
ووفق شهود عيان، فإنه رغم تصدي الجيش استطاعت السيارة المفخخة الولوج إلى الحاجز وفجّر السائق نفسه، وعجزت سيارات الإسعاف عن الوصول إلى مكان العملية سريعاً بسبب وجود عبوات ناسفة زرعها المسلحون على مداخل الطرق.