عشرة أيام إضافية هي المدة التي تحتاجها أطقم الإطفاء الإسرائيلية وطائرات عدد من الدول، كالولايات المتحدة وروسيا وتركيا ومصر وغيرها، للسيطرة الكاملة على الحرائق الضخمة، التي حلّت بمدينة حيفا المحتلة كواحدة من المناطق المركزية، تلتها أحراج القدس وجبال الجليل التي تحيط بقرى فلسطينية كثيرة، وغيرها من المناطق.


هذه التقديرات الصادرة أمس عن غرفة إدارة عمليات الإطفاء في حيفا، انطلقت عقب استئناف طائرات الإطفاء عملها في رش المواد المثبطة للاشتعال، بعدما كانت قد توقفت مع حلول الليل. أمّا المُخلون من منازلهم ــ بلغ عددهم مئة ألف ــ فأُبلغوا إمكانية العودة إلى بيوتهم، لكن مع استمرار إغلاق المطار ومحطات القطارات، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء في حيفا.
وبينما تندلع الحرائق الطبيعية في أكثر من منطقة حتى في تلك التي يسكنها فلسطينيون فقط، وتصل إلى الضفة المحتلة، يستمر استغلال الحكومة الإسرائيلية وأجهزة الأمن وبعض الحاخامات لسكب الوقود على نار التحريض ضد فلسطينيي الداخل، رغم أن خبراء بيئة إسرائيليين أكدوا أن الحرائق مرتبطة بتغيرات المناخ. ونقلت صحيفة «هآرتس» العبرية عن مدير منطقة القدس في «الصندوق القومي الإسرائيلي»، حانوخ تسوريف، قوله إن «فصل الشتاء سيبدأ متأخراً، بسبب التغيرات المناخية المثبتة علمياً، والشهران الماضي والحالي جافان جداً، إضافة إلى الرياح الشديدة السرعة، التي تساهم في تجفيف النباتات، وتجعلها مادة قابلة للاشتعال بامتياز». لكنه قال إن «الظاهرة المناخية في الأيام الأخيرة نادرة جداً»، ولم يشهد أحوالاً جوية مثلها «خلال خبرته في هذا المجال على مدى السنوات الأربعين الماضية».


خبراء بيئة
أكدوا أن الحرائق
مرتبطة بتغيرات
المناخ «الغريبة»



كذلك أكّد الباحث في علم المناخ، يوحاي كرمل، من معهد «التخنيون» أن «التغيرات المناخية تسبب أموراً لم يشهد مثلها من قبل، فقد كانت المرة الأولى التي حدث فيها أمر مشابه عام 2010 أثناء حريق الكرمل الهائل، حيث لم تهطل الأمطار حتى بداية كانون الثاني، فاستمرت النباتات في الجفاف لمدة تسعة أشهر».
هذه التحليلات العلمية لم تنجح في حل لغز الحرائق ولا الشكوك المرافقة حولها، وخاصة أن أماكن انتشارها المتفرقة والمتباعدة تشير إلى إمكانية وجود من يشعلها عمداً. ومع اعتقال 14 فلسطينياً من الداخل المحتل، إضافة إلى صدور نتائج تحقيق أولي لحريق «زخرون يعكوف»، التي «أثبتت استخدام مادة البنزين السريعة الاشتعال»، وفق ما صرّح به وزير الأمن الداخلي غلعاد إردان، يُطرح التساؤل عن «هبّة حرائق»، وهل يجري الموضوع بصورة منظمة ومنهجية لإرباك الاحتلال وضربه في الصميم، وعلى أيدي أفراد؟
في هذا السياق، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، روني ألشيخ، أنه «بانتظارنا أيام مؤلمة بسبب الأحوال الجوية، وإدراك منفذي الاعتداءات أن هناك فرصاً لتنفيذ عمليات ضدنا بطريقة بسيطة جداً». كذلك رأى وزير البيئة الإسرائيلي، زئيف إليكين، أنه «لا شك في أنه يوجد عمل إضرام نار متعمد في حالات كثيرة، وهذا إرهاب قومي بكل معنى الكلمة».
برغم هذه التصريحات، قال المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، إن «قيادة الأجهزة الأمنية تشكك في صحة تصريحات وزراء، بينهم وزير الأمن الداخلي، بأن نصف الحرائق نجمت عن إضرام نار متعمد».
من جهة أخرى، خصص المحلل العسكري في صحفية «هآرتس»، عاموس هرئيل، تقريراً كاملاً ناقش فيه «الحدث الإستراتيجي واستخلاص العبر والدروس منه»، وخصوصاً أنه قد تكون هناك «إمكانية لأن يشارك فلسطينيون من الداخل المحتل في إشعال حرائق مشابهة أثناء الحرب المستقبلية مع حزب الله، لإرباك إسرائيل وإشغال جبهتها الداخلية في أمور إضافية».
وأضاف هرئيل أن الحرائق المتواصلة منذ أربعة أيام باتت ترقى إلى مستوى «حدث إستراتيجي»، فقد أُخلي أكثر من مئة ألف شخص وتضررت مئات المنازل، وخُلِّف دمار يتطلب شهوراً إن لم يكن سنوات لإعادة الترميم.

رجّح محللون
استغلال فلسطينيين للحدث بإشعال حرائق إضافية


وتابع أن الحرائق «تعزز الشبهات بأن الموضوع ليس تراكم مجموعة من المصادفات، وإنما بالتزامن مع الرياح الشديدة السرعة، كان هناك إهمال، وأفعال متعمدة». وفي الوقت الذي يُجرى فيه تحقيق في جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) لفحص إمكانية أن تكون الحرائق الطبيعية التي أحدثها الطقس قد جلبت في أعقابها موجة من العمليات على خلفية قومية، قال إن «الجزم الذي وصفت فيه هذه الفرضية من خلال وسائل الإعلام في مرحلة مبكرة، وعلى لسان مسؤولين رسميين، يبدو مبالغاً فيه».
لكن المحلل العسكري ذكر أن «إشعال النيران في الأحراج والغابات والحقول الزراعية استخدمه الفلسطينيون كسلاح ضد إسرائيل في الانتفاضة الأولى أواخر الثمانينيات، إضافة إلى عمليات الطعن التي ليس بمقدور أجهزة الأمن جمع معلومات استخبارية مسبقة بغية إحباطها». ورأى أيضاً أن إشعال النيران أمر يسهل تنفيذه بعكس عمليات الطعن، لأن ذلك لا يعرض منفذه للاعتقال أو الإصابة أثناء العملية، مضيفاً: «اذا كان هناك عمل إرهابي، فقد تحقق ضرر نفسي واقتصادي بالغ ضد إسرائيل بجهد قليل».
مع ذلك، شكّك هرئيل في إمكانية أن يكون الموضوع «عملية مخططة نُفذت على يد مجموعة منظمة»، مضيفاً: «يبدو أن هناك من صعد على موجة الحرائق صعوداً قومياً مشعلاً أماكن بصورة متعمدة». لذا، أوصى بأن «الاهتمام يجب ألّا ينصب على فكرة أن الفلسطينيّين في الضفة قد ساهموا في إشعال حرائق، وإنما العرب في إسرائيل»، في إشارة إلى فلسطينيي الـ48.
وقال أخيراً، إن ما نُشر قبل أسبوع حول خطة لقيادة الجبهة الداخلية وقيادة الشمال لإخلاء 78 ألف شخص من الأماكن القريبة من الحدود مع لبنان حدث بصورة مشابهة في الأيام الماضية. أمّا عن الامتحان الأهم، فلفت هرئيل إلى أن «عشرات الآلاف الذين أُخلُوا وباتوا بحاجة ماسة إلى عنوان يتابع شؤونهم، وخصوصاً أماكن نومهم ومبيتهم... في حال لم يجد هؤلاء الدولة قادرة على الاهتمام بأمورهم فإن ثقتهم بالحكومة ستنهار، مع تحديات أكبر في مقدمتها الحرب».




فتوى بقتل «مشعلي النار» حتى في السبت

بلغ التحريض الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الأيام الأخيرة حدّ إصدار حاخام مدينة صفد المحتلة، شموئل إلياهو، فتوى تجيز انتهاك حرمة يوم السبت لقتل كل فلسطيني قد يقدم على إشعال الحرائق. وعلى ما يبدو، استمد إلياهو «شرعية» فتواه، من وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إشعال الحرائق بأنه «إرهاب»، إضافة إلى اعتبار «الشاباك» أن الحرائق المنتشرة «سلاح للإبادة الجماعية».
وردّ إلياهو في «فايسبوك» على سؤال عن «إمكانية انتهاك حرمة السبت لاستعمال الهاتف وإبلاغ الشرطة»، بالقول: «بأعجوبة، لم يحترق أشخاص أحياء، لكن ينبغي عدم الاعتماد على المعجزات... طبعاً يجوز انتهاك حرمة السبت، بل هذه فريضة من أجل وقف النيران ومشعليها وإذا اقتضى الأمر، يجب إطلاق النار عليهم وقتلهم أيضاً». والحاخام، الذي تعد وظيفته حكومية، لم يكتفِ بإصدار فتواه، بل طلب من رئيس أركان الجيش والمفتش العام للشرطة «إصدار أوامر للجنود وأفراد الشرطة والمستوطنين بقتل الفلسطينيين لأن هذه مسؤوليتهم»، مضيفاً: «لو قتل مشعلو النار في كرمئيل وغيرها لما حدث ذلك».