لم يكن مفاجئاً حدوث احتكاك ناري بين جيش العدو الإسرائيلي وأحد فروع تنظيم «داعش» بالقرب من حدود الجولان المحتل. كان هذا الحدث مرتقباً ومنتظراً على وقع الأحداث التي تشهدها الساحتان السورية والعراقية.


فمنذ أشهر، يتعامل الإسرائيلي على أن حادثاً من هذا النوع سيقع، وانعكس ذلك في جاهزيته التي تحدث عنها عدد من المراقبين والقادة في تل أبيب, كما استند الإسرائيلي في هذا التوجه إلى تقدير مفاده بأن «داعش»، الذي يوجه ضرباته يميناً ويساراً في ظل تراجع سيطرة «دولته» والقناعة العامة بأنه في الطريق إلى السقوط والزوال، بات أحوج ما يكون إلى هذا الاحتكاك العرَضي حتى لو كان محدوداً.
المنطق، الذي استند إليه التقدير الإسرائيلي، هو أن «داعش» سيحاول ببعض الرشقات النارية أو الصواريخ العشوائية، أو حتى وفق سيناريوهات متطرفة (تنفيذ عملية صاخبة)، تقدمه كجهة تسعى إلى تنفيذ عمليات ضد إسرائيل، بهدف «تبييض» صورته. على خط مواز، كانت، ولا تزال، فروع «داعش» في غزة تسعى إلى إطلاق صواريخ عشوائية كجزء من تنافسها مع حركة «حماس» بهدف حشر الأخيرة واستدراج الإسرائيلي إلى توجيه ضربات ضدها، والأمر نفسه ينسحب على فروع التنظيم في سيناء.


الاحتكاك يخدم
نتنياهو في الترويج لدور إسرائيلي في مكافحة الإرهاب

مع ذلك، لم يكن للحوادث المتفرقة، التي بادر إليها «داعش» عبر فروعه في أكثر من بلد، أي أثر يُذكر على تعديل صورته بأنه تنظيم يتبنى توجها إستراتيجيا بمواجهة وباستنزاف محور المقاومة، الذي يمثل تهديداً إستراتيجياً على الأمن القومي الإسرائيلي، فضلاً على تقدم أولوية ارتكاب المجازر لديه بحق المدنيين في العراق وسوريا ولبنان ومناطق أخرى من العالم. ويمكن التقدير بأن أي عملية عسكرية قد ينفذها «داعش»، مقابل النكسات التي يتعرض لها، لن يتمكن من توظيفها أو الاستفادة منها بما يغير مسار الانحدار الذي يتهاوى فيه، بل سيقتصر الأمر على محاولة فاشلة لتسجيل بعض النقاط غير المجدية على أرض الواقع.
من جهة مقابلة، يبدو أن صانع القرار السياسي في تل أبيب يحتاج إلى هذا الاحتكاك الناري دعماً للترويج الذي يعمل عليه في العالم الغربي، القائل إن لإسرائيل دوراً أساسياً في مكافحة الإرهاب. ويجهد رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، في تقديم إسرائيل ككيان متقدم في خط الدفاع عن الغرب وأوروبا في مواجهة التهديد الذي يمثّله الإرهاب، وهو في أكثر من مناسبة، وخاصة بعد العمليات الإرهابية الأخيرة في فرنسا، أوحى بأن إسرائيل تؤدي أدواراً استخبارية تخدم الأمن الغربي.
كذلك تحدث قبل أيام في مؤتمر «جيروزاليم بوست» عن أن ما يدفع عدداً من الدول للتوجه إلى إسرائيل مجموعة عوامل منها خبرتها في مكافحة الإرهاب. ولفت، في هذا السياق، إلى أن «التشدد الإسلامي والإرهابيين المنضوين تحت رايته إنما يشعلون النيران في جميع القارات والدول، ما يجعل الجميع بحاجة إلى حماية، وقد اكتسبت إسرائيل قدرات على مكافحة الإرهاب... من هذا المنطلق تراجع الدول إسرائيل رغبة منها في ضمان أمنها وفي الاستفادة من قدراتنا الاستخبارية وخبراتنا الخاصة بالمجالات الأخرى».
بالطبع، بعد هذه الحادثة، سيعمد نتنياهو إلى محاولة إضفاء صدقية فعلية للترويج بالقول إن لإسرائيل أدواراً عملانية عسكرية ضد الإرهاب، وهو لم يفوت فرصة هذا الاحتكاك الأول من نوعه على الجبهة الشمالية مع تنظيم موالٍ لـ«داعش»، عبر تأكيد جاهزية إسرائيل على هذه الجبهة، والقول إننا «لن نسمح لداعش، أو لجهات أخرى، بتثبيت قواعده على حدودنا تحت غطاء الحرب في سوريا»، لكنّ ما لم يلفت إليه نتنياهو أن قوات «داعش» ــ تحت مسمى «قوات خالد بن الوليد» ــ تتموضع منذ حوالى سنتين وكانت تتحرك هي وغيرها من الجماعات المشابهة لها، تحت أعين الجيش الإسرائيلي وضمن مرمى نيرانه المباشرة، ومع ذلك، لم تر إسرائيل في هذا الانتشار أي تهديد فعلي، بل لم تبادر إلى استهدافه.
لكن، هل يمهد نتنياهو بهذا الموقف، الأقرب إلى الرسالة، لخطوات أبعد مدى ــ لو لاحقاً ــ ضد «داعش»؟ يساهم في تعزيز حظوظ هذا السيناريو، حتى من الناحية النظرية، الانطباع بتبلور قرار دولي باستهداف «داعش» في أعقاب استنفاد دوره وتفلته عن الضوابط الأميركية، وهكذا تكون إسرائيل قد استطاعت أن تركب الموجة الدولية والإقليمية. مع ذلك، ينبغي التذكير بحقيقة أن نتنياهو هو أول من حذر من القضاء على هذا التنظيم، لأن ذلك يساهم في تعزيز محور المقاومة، والأمر نفسه تكرر على لسان رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك، اللواء هرتسي هليفي، خلال مؤتمر «هرتسيلياه» في حزيران الماضي، حينما حذّر من أن القضاء على «داعش» سيبقي إسرائيل وحيدة في مواجهة حزب الله ومحور المقاومة، فهل تؤدي المتغيرات الأميركية والدولية إلى إجبار إسرائيل على تعديل موقفها؟
في السياق، يظهر ممّا أدلى به المتحدث باسم جيش العدو، أن قوة من الجيش الإسرائيلي تعرضت لنيران رشاشة، ردت عليها بنيران مضادة، لكن الحادثة لم تؤدّ إلى سقوط إصابات في الجيش. أما وسائل الإعلام الإسرائيلية، فتحدثت عن مقتل أربعة عناصر تابعين لـ«قوات خالد بن الوليد»، كما نقلت أخرى، عن ضابط رفيع، إمكانية سقوط أربعة قتلى في صفوف «داعش».
وأضاف المتحدث الناطق العسكري أن «الجيش لن يصبر على المس بسيادة إسرائيل وسيرد بشدة على أي محاولة لخرقها»، فيما نقل موقع «يديعوت أحرونوت» عن ضابط رفيع في الجيش قوله، إن «رد القوة كان قاطعاً وسريعاً، ويرمي إلى نقل رسالة بأننا في المنطقة مصرّون على الدفاع عن حدودنا... لا نريد تدهور المنطقة إلى التصعيد، لكن لن نقبل واقعا تفتح فيه النيران باتجاه قواتنا».