لم تفلح «حرب التسريبات»، وهي الأسلوب المخابراتي المعتمد لدى القيادات الفلسطينية، في منع قوافل المؤتمر السابع لحركة «فتح» ــ أكثر من ألف وأربعمئة مشارك ــ من المضيّ للمشاركة في المؤتمر، المنعقدة اليوم جلسته الافتتاحية، تحت «الراية الشرعيّة» للحركة.


فلا عزام الأحمد «طار» بعد التسجيل المسرَّب له وحديثه عن «عيوب أبو مازن» (رئيس السلطة محمود عباس)، بل تصدّرت تصريحاته عن ضرورة «إنهاء الانقسام وعقد المجلس الوطني» عناوين الأخبار المحلية، ولا دحلان انفكّ عنه مناصروه بعد الشائعة عن دور له في قتل ياسر عرفات بالسمّ مع وعد «عبّاسي» بكشف القاتل خلال المؤتمر، كذلك لم ينل منه التسريب عن صفقة أسلحة بقيمة 500 مليون يورو يبدو أن الليبيين باتوا يطالبونه بها. وإذا صحّ الخبر، فإنه لن يكون سوى غيض من فيض ضمن «الأعمال الحرة» للرجل.
يسير محمود عباس بثبات أكثر، رغم كل الانتقادات الشعبية التي باتت لا تقدم ولا تؤخر، بل صار للخارجية الفلسطينية صوت عالٍ يردّ ويدافع عن خطوة السلطة في المشاركة في «إطفاء الحرائق في إسرائيل»، لأن ذلك «منسجم مع مبادئها وقوانينها والتزاماتها الإنسانية»، رغم أن هذه المشاركة ــ في الواقع العملي لحجم الحرائق وقدرات السلطة ــ هي رمزية وليست صادرة عن كيان مقتدر، فضلاً عن أن يكون دولة، ما يعني أن العقلية الأوسلوية لا تزال مصرّة على التمسك بتذللها للإسرائيلي كقاعدة للبقاء.


للمرة الأولى
ستشارك «الجهاد» و«حماس» و «القيادة العامة» في المؤتمر

هي المنظومة نفسها، التي أنقذت الأجهزة الأمنية التابعة لها، يوم أمس، أربعة جنود إسرائيليين قالوا إنهم دخلوا مدينة طولكرم، شمالي الضفة المحتلة، من طريق الخطأ، بلباس مدني. وبعدما تعرض الجنود الذين أنهوا خدمة الاحتياط للرشق بالحجارة، تدخل الأمن الفلسطيني في مشهد سوريالي يتكرر شهرياً لإنقاذهم وإرجاعهم من حيث أتوا، ولا يعلم أحد هل سيكون هذا الجندي المرجع أحد الذين يقتلون أبناء الشعب الفلسطيني بعد ذلك!
إذن، سيمضي المؤتمر المعقود لحركة تحرر وطني وثوري لخمسة أيام تحت أعين الاحتلال الإسرائيلي، الذي يسمح للمرة الثانية بعقد هذا المؤتمر داخل فلسطين، ويسمح أيضاً لشخصيات من خارج الضفة (غزة والأردن وغيرهما) بالسفر إلى رام الله للحضور وللمشاركة. كذلك تشارك «حركة الجهاد الإسلامي» و«حماس»، و«الجبهة الشعبية ــ القيادة العامة» بصورة لافتة، للمرة الأولى, في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر (اليوم) بعدما وُجهت الدعوة إليهما، وذلك «حرصاً على العلاقات الأخوية والوطنية بين الحركتين»، وفق بيان «الجهاد»، فيما قالت «حماس» إنها ستكون «مشاركة بروتوكولية» يمثلها وفد من الضفة لن يُكشف عنه إلا بوصوله المؤتمر «لأسباب أمنية».
بينما يسير المشهد الفلسطيني السياسي الرسمي بهذه الطريقة، تتواصل حالة الشدّ والجذب بين الإقليم والداخل في قطاع غزة. تكفي مطالعة سريعة لتصريحات وزير الخارجية القطري، محمد آل ثاني، قبل يومين، عن تخيّل بلاده لمصير القطاع بسبب «الاقتتال الفلسطيني والحصار الإسرائيلي المفروض منذ سنوات»، خلُص به إلى أنه «يمكن أن يحوّل قطاع غزة الفقير إلى نقطة انطلاق سهلة لمن يتم تجنيدهم لحساب تنظيم الدولة الإسلامية»، وفي عبارة أخرى «داعش». إذاً، يحذّر الرجل من أن تحويل غزة إلى «سجن مفتوح»، مع ما يعنيه هذا التوصيف من دلالات، سيجعل الغزيين «إذا تركناهم كما هم... يمكن عناصر داعش تجنيدهم بسهولة»، بل «يمكنهم بدء العمليات من هناك بسهولة، ويمكن أن تتحول (غزة) أيضاً إلى منصة انطلاق للتشدد وللإرهاب… لذا نحتاج إلى وضع نهاية لهذا الأمر».
لعلّ في ظاهر كلام الوزير القطري ما لا يمكن نكرانه، لكن في عرضه الأسباب والنتائج خلط كبير. هي الرواية الإسرائيلية ــ الدولية نفسها، التي تنظر إلى أن «التشدّد» هو نتيجة طبيعية للإغلاق وللفقر وللحرمان، لكن أين تقع غزة، وفق التصوّر القطري، من هذه الرواية؟ وهل المقاومة جزء من حالة التشدّد الذي يمكن تنفيسه بالانفتاح على القطاع كذلك، ومن هنا يُفهم تزايد عدد الوفود الأجنبية الزائرة، مجدداً، في الشهرين الأخيرين؟
بجانب هذه الأسئلة، تحضر قضية اكتشاف مؤتمِرين بأمر «داعش» على جانبين ــ داخل التنظيمات الفلسطينية وضمن مجموعات سلفية صغيرة منفصلة ــ في وقت متزامن مع هذه التصريحات، لتصير بدورها دلالة على «صحة» هذا التقدير الذي طالعنا به محمد آل ثاني، وكذلك الحملة الأمنية الأخيرة التي نتج منها اعتقال أكثر من مئة كادر سلفي بعد تهديدات صادرة عنهم، رغم أن ذلك كله مؤشر خطير فعلاً على سيناريو يحوم منذ سنوات بصورة عدّة: مواجهة بين المقاومة والسلفيين! وهي مواجهة لا نتمناها، وتحاول المقاومة فعلاً الحؤول دونها.
لكن، لم تعلّق «حماس» بصورة رسمية على كلام المسؤول القطريّ، للحظة، الذي أوكلت إلى وزارته في آخر لقاء بين محمود عباس وخالد مشعل وإسماعيل هنية (قبل أقل من شهر)، مهمة تفعيل ملف المصالحة، واشتكى بعدها قادة فلسطينيون من أن الدوحة لم تحرّك شيئاً، تماماً كما لم يعلّق أيٌّ من الفلسطينيين على تصريح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان (قبل أقل من أسبوع) للقناة الإسرائيلية الثانية عن أنه يمكن القول إن الحصار رُفع فعلياً عن غزة؛ فهل هذا الصمت إقرار بما يُقال، أم أن ثمة شروطاً تُقدّم ــ إلى إسرائيل أو مصر ــ قبل خوض القطريين والأتراك في دور التفاهم مع «حماس» مجدداً؟
إلى ذلك، يأتي إعلان وزارة الداخلية في غزة، أمس، إلقاء الأجهزة الأمنية القبض على المتهم في قتل المواطن مثقال السالمي، خطوة في المسار القانوني الصحيح لهذه القضية، مع وعد الوزارة بـ«استكمال التحقيق واتخاذ المقتضى القانوني بحق المتهم»؛ وفي ذلك توكيد للمعلومات التي أوردتها «الأخبار» في هذا الشأن قبل يومين. لكن، على الصعيد السياسي، يمثّل هذا الإجراء مستوى من الردّ على التصريحات القطرية التي تخيّل للمتابعين أن غزة ــ رغم ما فيها من حالة سلفيّة لها عواملها الذاتية الأقدم من «داعش» ــ باتت ساحة مهزومة بسبب الفقر والحاجة إلى متطلبات الحياة بحدودها الدنيا، أو أن أجهزة الأمن، ومعها المقاومة، فقدت السيطرة.




زيارة روسية... مصادفة؟

تأتي زيارة السفير الروسي لدى السلطة الفلسطينية، ألكسندر روداكوف، والوفد المرافق له، لقطاع غزة، أمس، عبر معبر «بيت حانون ــ إيريز» (شمال القطاع)، في سياق متصل بالأحداث الدائرة، لكن من دون وضوح التفاصيل، خاصة في ظل التعتيم على طبيعة الزيارة والشخصيات التي التقاها الرجل، مع إشارة وحيدة إلى لقائه الجالية الروسية في غزة.
لكن مصادر سياسية عدة تقاطعت حول الإشارة إلى «جهود روسية وأخرى تركية وقطرية سابقاً» في ملف «الأسرى والمفقودين من الجنود الإسرائيليين لدى المقاومة في غزة»، خاصة أنه ليس للروس مشاريع إعمار كبيرة في القطاع.
ويُفهم مدى «غلاوة الدم الإسرائيلي» على المستوى الإقليمي والدولي، وأهمية العلاقة بإسرائيل كما ظهر من «الكرنفال» الإطفائي قبل أيام، لكنّ المقاومة تعي تماماً أن هذا الدور الإقليمي والدولي لم يقدم لغزة أي استحقاق يذكر طوال العامين الماضيين. والأرقام الواردة حديثاً، وفق «اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار»، تظهر أن نحو مليون ونصف مليون في القطاع يعيشون على المساعدات الإغاثية، في ظل أن 80٪‏ من سكانه تحت خط الفقر، منهم مليون يتلقون مساعدات من «الأونروا»، ونصف مليون من مؤسسات إغاثية مختلفة.