كُنس يهودية احترقت من يعوّضها؟ يسأل أحد الأعضاء المشاركين في جلسة طارئة للجنة المالية في الكنيست الإسرائيلي قبل يومين، كانت قد عقدت لتقييم حجم أضرار الحرائق وكيفية تعويضها. الردّ لا يتأخر، لكنه يأتي متهكماً: الله سيعوّض. يسأل آخر: إذا كانت عائلات، من بينها عائلات جنود شاركوا في حرب غزة الأخيرة، لم تتلقّ تعويضاتها حتى الآن، فكيف ستعوّضون متضررّي الحرائق؟


يبدو الأمر غريباً بعض الشيء، خصوصاً أن النقاش دار داخل أروقة «دولة القانون» ــ إسرائيل ومواطنيها «المرفهين». لكن المهم، هل ستنجح الأخيرة في اختبار تعويض الأضرار لمستوطنيها أم لا، مع الأخذ بالاعتبار اختبارات مستقبلية كالحرب؟
في هذ السياق، عقد وزير المالية الإسرائيلي، موشيه كحلون، أمس، جلسة خاصة هدفت إلى تقييم الأضرار التي نتجت من موجة الحرائق، ومناقشة كيفية دفع تعويضات المتضررين، إضافة إلى مدى جاهزية الجبهة الداخلية لمواجهة كوارث طبيعية مشابهة.
وشارك في الجلسة طاقم سلطة الضرائب، ووزارة الأمن، ومكتب رئيس الحكومة، واللافت أنها حددت تسعة حرائق من بين 1773 على أنها حرائق أشعلت عن طريق العمد فقط، أي «حرائق على خلفية قومية»، وهي مستوطنات «طال إيل»، و«زخرون يعكوف»، و«دولف»، و«غيلون»، و«طلمون»، و«نيريت»، و«نطاف»، و«حلاميش»، ومدينة حيفا.
بناءً على ذلك، فإن الأضرار في الاماكن المذكورة هي «أضرار ناجمة عن حرب»، وكل ما يترتب على ذلك، وفقاً لقانون ضريبة الأملاك وصندوق التعويضات الإسرائيلي، ستعوّضه سلطة الضرائب التي تتحمل المسؤولية وفقاً للقانون.
وقرر كحلون أن كل من تضرر منزله بسبب الحرائق، في الحالات التي ثبت فيها أن الحريق نشب على «خلفية قومية»، ولا يمكنه العودة إليه، سيحصل على منحة بقيمة 2500 شيكل (600 دولار أميركي). ورداً على قراره، انهال المعلقون الإسرائيليون من روّاد الإعلام العبري بالتعليقات الساخرة، قائلين إن «هذا المبلغ لا يكفي لشراء عربة واحدة من حاجيات الطعام».
أمّا «المفاجأة» والصفعة الكبرى، فأتتا في إعلان الشرطة الإسرائيلية، بعد وقت قصير جداً على نشر كحلون لائحة المناطق التي ادّعى أنها تعرضت «لاعتداء إرهابي»، أنّه «لا يمكن إعلان أي حريق أنه نشب على خلفية قومية».
ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مسؤول في الشرطة قوله، «خلال محادثاتنا مع مندوبي سلطة الضرائب، حوّلنا لهم المعلومات ونتائج التحقيق التي صدرت، لكن لم نؤكد لهم في أي مرحلة أن الحديث يدور عن أحداث إرهابية».


شركات التأمين تستغل
وسم «الإرهاب» للتهرّب
من التعويض
وتابع: «ليس واضحاً لنا كيف توصلوا إلى استنتاج نهائي كالذي جرى نشره صباح اليوم (أمس)، كأنّ الحديث يدور عن عمليات عدائية».
وفي الوقت الذي تحقق فيه أجهزة الأمن الإسرائيلية في إمكانية أن 25 حريقاً أخرى أُشعلت بفعل فاعل، لا يزال أكثر من 38 شخصاً، معظمهم من فلسطينيي الـ48، معتقلين قيد التحقيق، من دون أيّ أدلة واضحة تثبت أنهم شاركوا في ذلك بدافع قومي. وشخص واحد من بين هؤلاء ستقدم ضده النيابة العامة اليوم لائحة اتهام بإشعال ثلاثة حرائق بصورة متعمدة في مدينة أم الفحم.
كذلك مدّدت الشرطة الإسرائيلية اعتقال ستة قاصرين من قرية جديدة ــ المكر في الجليل الأعلى، يشتبه في أنهم أحرقوا حرجاً قريباً من بلدتهم، لكن المحامي شادي ذباح، الموكل بالدفاع عنهم، قال إن «الشبهات ضدهم غير صحيحة، وإنهم كانوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، فقد سلكوا طريقاً وعريّاً داخل الحرج، تفادياً لزحمة السير الخانقة التي تسبّبت فيها الحرائق... ومصادفة عند خروجهم اشتعل الحرج».
بالعودة إلى جلسة تقييم الأضرار، استغلت شركات التأمين الإسرائيلية تصريحات المسؤولين، خاصة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال إن «نصف الحرائق أشعل على خلفية قومية»، لتتهرّب من مسؤولية التعويض وتماطل في معالجة الشكاوى، على اعتبار أنه يمكن تصنيف «نصف الحرائق أعمالاً عدائية»، وهو ما خالفه إعلان الشرطة اللاحق.
تهرُّبُ شركات التأمين من مسؤوليتها سيلزم سلطة الضرائب بدفع هذه التعويضات. ووفق الإحصاءات الصادرة عن الشركات، فإن 60% إلى 65% من منازل الإسرائيليين مشمولة بتأمين المباني، ونصفها مشمول بتأمين حاجيات المنازل وممتلكاتها ومحتوياتها، لكن هذه التأمينات لا تشمل الساحات والحدائق، وقد تضرر عدد كبير منها بفعل الحرائق.
رغم ذلك، فإن أحداثاً كثيرة، من بينها الحروب، أثبتت أن الحكومة الإسرائيلية، والمؤسسات التي تعنى بقضايا تعويض المتضررين، تتخذ قرارات في أحيان كثيرة، لكن من دون تنفيذها، والهدف من ذلك امتصاص الغضب الجماهيري.
أما الحرائق الأخرى، فلا تزال التحقيقات بشأنها متواصلة، وتعمل عليها الأجهزة الأمنية وسلطة الإطفاء والإنقاذ، فيما كانت سلطة الضرائب قد أشارت، قبل صدور بيان الشرطة، إلى أن «التحقيقات تتواصل، وفي حال صدرت نتائج جديدة حول حرائق أخرى أشعلت بدوافع قومية وعدائية، عندها سيتم تحديث قائمة الحرائق التي تلزم الدولة دفع تعويضات للمواطنين».
وفي السؤال عن إمكانية أن تجبر المحاكم الإسرائيلية المتهمين الذين قد يدانون بأنهم أشعلوا حرائق عن طريق العمد، على دفع تعويضات للمتضررين، أجاب المحامي يامن زيدان، رداً على «الأخبار»، بأنه «في الإجراء الجنائي هناك إمكانية لفرض تعويضات تصل إلى 258 ألف شيكل (نحو 77 ألف دولار) تعويضاً عن الأضرار للمتضرر».
وأضاف زيدان: «هناك إمكانية أخرى، هي أن يقدم المتضرر دعوى تعويضات ضد (الجاني) في المسار المدني، وهي دعوى غير محددة، ولكنها تتعلق بحجم الضرر وإثباته». واستدرك: «إذا عُرّفت الحرائق على أنها حرائق إرهابية أو أعمال عدائية، فإن الدولة ممثلة بسلطة الضرائب هي من يفترض أن يعوض المتضررين».
ولفت المحامي الفلسطيني إلى أن «إسرائيل كانت تتحضر للسياق الاقتصادي التعويضي منذ اليوم الثالث الذي سارعت فيه إلى تصنيف الحرائق على أنها إرهابية، فالتعويضات تدفع عن طريق الضرائب المجباة من جيوب المواطنيين، لكن الأهم من ذلك أنها استغلت الظرف الطبيعي خدمة لأجندات سياسية ضد الفلسطينيين».
وتشير التقديرات الأولية لحجم الخسائر جراء الحرائق إلى أكثر من مليار شيكل مرجّحة للارتفاع وفق الخبراء الاقتصاديين، وهي مجموع عشرات آلاف الدونمات من الأحراج والغابات والمناطق الطبيعية، ودمار 1784 منزلاً، من بينها 527 منزلاً لم تعد ملائمة للسكن في حيفا وحدها.