منذ بداية الحرب السورية، هَدَفَ «تنظيم القاعدة في بلاد الشام ــ جبهة النصرة» إلى تأسيس إمارة إسلامية. ومع تشكيل «جيش الفتح» بدعم تركي ــ قطري، خرجت نظرية «قاعدية» ترسم ملامح الاستراتيجية الجديدة، فيما رأى آخرون أن «النصرة» بقيادة أبو محمد الجولاني تنتهز مجريات الأحداث وتطوعها لغاياتها.

ويرى الكاتب و«الباحث الشرعي» موسى الغنامي، في ورقة بحث نشرها على حسابه على موقع «تويتر»، بعنوان «مشروع القاعدة في الشام»، أن «النصرة» تنتهز وجودها في «جيش الفتح» لتحقيق هدفها، محذراً من «تكرار التجربة الجهادية العراقية على الساحة الشامية».

الغنامي يشبّه تجربة العراق بأحداث الساحة السورية، لافتاً إلى أن أبو مصعب الزرقاوي (أمير القاعدة في العراق) كان أكثر المتحمسين لتشكيل تنظيم يضم جميع «الفصائل الجهادية» تحت مسمى «مجلس شورى المجاهدين»، كما فعلت «النصرة» مؤخراً بتأسيس «جيش الفتح» في سوريا. ويشير إلى أن تنظيم «القاعدة» كان عضواً مؤسّساً، وليس صاحب القرار، إلا أن إعلامه سوّق في تلك الفترة لـ«شورى المجاهدين» باعتباره هدية «قاعدة الجهاد» للأمة.
وبحسب الغنامي، فإن «القاعدة» فرّغت الفصائل العراقية بالضغط عليها للانضواء تحت راية «شورى المجاهدين» الذي أصبح «قاعدياً» بالأكثرية نتيجة «تصفية أو بيعة». أما الفصائل التي لم تبايع فقد صُفّيت، وشوّهت صورتها بتهمة «الصحوات».


المنظّر «القاعدي»
عبد الله بن محمد وضع سبباً لضرورة «اتحاد الفصائل»
وأعلن الزرقاوي بعد خلوّ الساحة من أي منافس له «مشروعه المتمثل بدولة العراق الإسلامية الذي باركه قادة القاعدة وانتقل لاحقاً إلى الشام».
ومع بداية الحرب السورية، قدِم الجولاني إلى الشام بأمر من أبو بكر البغدادي لتأسيس «جبهة نصرة أهل الشام». وبحسب رواية الغنامي، فإن الجولاني اجتمع ببعض قادته وكشف عن «مشروع النصرة الذي هو إعلان إمارة إسلامية»، إلا أنه تراجع عنه لفترة بعد «انزعاج إخوة الجهاد» من المشروع. ولكن، بعد أشهر، أعادت «الجبهة» ترتيب أوراقها ودخلت ضمن المشروع التركي ــ القطري الجديد: «جيش الفتح»، فبدأت «الجبهة بالانسحاب من عدة تحالفات في حلب والغوطة والقلمون، تلاه زخم إعلامي عن قوة النصرة» في تشكيلها الجديد، وذلك لصبغ الرأي العام بأن «النصرة هي الفتح والفتح هو النصرة»، بحسب الغنامي. ومع السيطرة على إدلب، «شنّت النصرة هجوماً إعلامياً ناعماً لتجيير الانتصار لها، وكان لقناة الجزيرة الدور الأساسي في ذلك».
أما على الصعيد «الشرعي»، الذي تعتبره «جبهة النصرة» المحرك الأساسي لها، فقد غطّت «القاعدة» «جيش الفتح» بوجهٍ شرعي ــ نظري، عبر أحد منظريها الأساسيين عبدالله بن محمد، صاحب «المذكرة الاستراتيجية» (دستور عمل «القاعدة»)، والقائمة على «استراتيجية التحرك في نظرية الذراعين، في أرض الشام واليمن لاحتواء أرض الحرمين».
وعنون ابن محمد نظريته الجديدة بـ«النظام السياسي في الإسلام»، وأساسها «تشكيل مجلس قيادة بميثاق واضح... ليكون القوة العقدية التي تحمي وجود النظام الإسلامي وتحسم مسائل الانحراف ونزع الشرعية عن الحاكم». وتنسجم النظرية مع أداء «جبهة النصرة» وتعاملها مع الفصائل المسلحة الأخرى، وتحديداً في ما يتعلق بانضمامها إلى «جيش الفتح».
وحدد ابن محمد في نظريته آليات حكم شبيهة بتلك الموجودة في مناطق المسلحين، والمحسوبة على «النصرة»، فـ«المحكمة العليا في ظل حماية قوة شرعية مستقلة يعطيها الحق في النظر في الدعاوى ويعطي مجلس قيادة الثورة الشرعية في تنفيذ الحكم». ويضيف أن «مجلس الشورى قد يصدر عنه مخالفات شرعية، ولكن وجود الدستور الإسلامي يتيح إزالة هذه المخالفات».
وعلى الرغم من عدم إشارته إلى «جيش الفتح» بشكل مباشر، إلا أن المنظّر «القاعدي» وضع سبباً لضرورة «اتحاد الفصائل»، لأن «وجود قوة عقدية تحمي مبادئ الشعب الذي ثار تسمى مجلس قيادة الثورة أو اللجان الثورية أو...».
ويرى ابن محمد أن مبدأ الشورى هو الركيزة الأساس للحكم، ويشابه الديمقراطية في الدول الغربية. ويرسم المنظر الأدوار في اللعبة السياسية الإسلامية من خلال الشورى التي هي عملية إخراج قرارات الدولة، أما «الشريعة (فـ)هي المصدر الوحيد للتشريع، والأمة صاحبة السلطة والإمام وكيل عنها». وتضمنت النظريات القاعدية عقيدة «الدولة الإسلامية» القائمة على الإيمان بالإسلام، بنظام سياسي هو «الشورى»، وبمشروع اقتصادي هو «الإنفاق». وكأن مقابلة الجولاني الأخيرة كانت منبراً لإعلان الخطة الجديدة. فهذه المسارات الثلاثة «تشكل شخصية الدولة» و«شخصية الشعب».
أما الغنامي، فيختم بحثه مستنداً إلى كلام الجولاني في لقائه الثاني مع «الجزيرة» في الثالث من الشهر الجاري، حين صرّح بأن «النصرة لن تخرج من جيش الفتح ولو حاولت بقية الفصائل المؤسسة»، مستنتجاً أن الجولاني مقتنع بأن «جيش الفتح هو قنطرة وصوله إلى مشروع القاعدة في أرض الشام»، ويعتبر «جيش الفتح» حصان طروادة للوصول إلى هدفه.
في المحصلة، تناغم أداء «جبهة النصرة» مع «الإطار النظري الجديد لاستراتيجية القاعدة» على الجبهة السورية. تنسجم نظرية ابن محمد مع كلام الجولاني: تنفيذ سبق التخطيط. وبمقارنة الرأيين، ومتابعة ما يحدث في المرحلة الجارية، فإن استراتيجية «القاعدة» الجديدة هي باعتماد مبدأ الذوبان في الحركات الأخرى، وقيادتها، وإنشاء مشروعها، ولسان حالها لمسلحي «الفتح»: كلكم أبناء بن لادن.