تونس | لا تزال تونس تعيش تحت وقع صدمة أخطر ضربة إرهابية تتلقاها في تاريخها الحديث، من حيث الخسائر البشرية التي استقرت على مقتل 39 سائحاً وجرح قرابة 40 آخرين. وفي ظل قرار الحكومة باتخاذ ما سمّته «إجراءات استثنائية» (أهمها، غلق 80 مسجداً هي خارج سيطرة الدولة)، يبدو أنّ ما أُقرّ، ما كان إلا قرارات ارتجالية ويصبّ في خانة ردّ الفعل على عملية فاجأت الجميع برغم أنها كانت «متوقعة».


تلك الإجراءات الاستثنائية التي تتلخص بحسب الحكومة التونسية بتطبيق القانون، صاحبتها حملة دهم واعتقالات في صفوف من يُشتبه في أنهم على صلة بالعملية الأخيرة أو بالتنظيمات الإرهابية، في وقت تتواصل فيه التحقيقات التي ستكشف عن حقائق بعيدة عن نطاق ما يجري تداوله في وسائل الإعلام، وفق ما أعلن مستشار وزير الداخلية التونسي، وليد لوڤيني.

تظهر قضية موقع «حزب التحرير» ضمن المجال السياسي كأبرز القضايا المطروحة

وفي غمرة الأحداث وتتابع التداعيات، أعلن وزير الدفاع التونسي، فرحات الحرشاني، أن تونس تستعد لإرساء مركز للبحث العلمي والدراسات الاستراتيجية ومنظومة استعلامات بهدف دعم عمل المؤسستين الأمنية والعسكرية! وأتى هذا الطرح لمواكبة ما تواجهه تونس من تحديات أمنية وتحولات داخلية، فضلاً عن تداعيات تراجع مستوى الاستقرار في المحيط الإقليمي بصفة عامة.

...و«الإجراءات» لن تنقذ الموسم السياحي

على صعيد آخر، دفعت عملية سوسة الإرهابية وزيرة السياحة، سلمى اللومي، إلى إعلان جملة من القرارات والإجراءات الإضافية التي تهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الموسم السياحي، خاصة أن الحكومة تستعد لإنجاز الميزانية التكميلية، وقد وضعت في حسبانها أن الموسم السياحي يمكن أن يضخ أموالاً.
وفضلاً عن إعلان الوزيرة منح تأشيرة الدخول إلى تونس مباشرةً عند الحدود لمواطني عدد من البلدان وإلغائها بالنسبة إلى بلدان أخرى، أشارت إلى مساعدات ستقدم للمؤسسات السياحية، تتلخص بإعادة جدولة الديون وإمداد تلك المؤسسات بقروض، والتخفيف من العبء الجبائي. وجرى كذلك حذف الطابع الجبائي المفروض على الأجانب لدى مغادرتهم البلاد، إضافة إلى الخفض بنسبة 30% في تكاليف النقل الجوي والبحري للجالية التونسية في الخارج، وتتحمل الدولة تكاليف هذا الخفض مناصفة مع شركات النقل. وجرى كذلك الحديث عن إسناد منحة مالية لعمال المؤسسات الذين قد يحالون على «البطالة الفنية».
وفي السياق، رأى رئيس «جامعة وكالات الأسفار»، محمد علي التومي، أن الإجراءات يمكن أن تساعد الفنادق في تجاوز أزمتها، لكنها لا تكفي لإنقاذ الموسم السياحي الذي انتهى ــ برأيه ــ منذ الهجوم على متحف باردو في شهر آذار الماضي.

«حزب التحرير»: الإشكالية الأهم

في السياسة، فإنّ المشهد الذي بدأت الحكومة بالتعاطي معه منذ يوم الجمعة الماضي بات مختلفاً بشكل جوهري عمّا سبق، وهذا ما تبدى من إعلانها التوجه إلى «تطبيق القانون»، أي بمعنى الحسم في مسائل لطالما كانت تشكّل مادة سجالية (في أقل تقدير). وتظهر قضية موقع «حزب التحرير» ضمن المجال السياسي كأبرز القضايا المطروحة راهناً، خاصة أنّ هذا الحزب قد حصل على الترخيص القانوني بعد عام 2011.
وفي السياق، بدا، أمس، أنه جرى منع «حزب التحرير» من عقد ندوة صحافية في أحد الفنادق، كانت تهدف إلى «توضيح» الموقف حيال تلميحات رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، ورئيس الحكومة، الحبيب الصيد، بالتوجه لسحب ترخيص العمل السياسي عن الحزب الداعي علناً إلى إقامة الخلافة ويرفع «رايات العُقاب» خلال اجتماعاته ومؤتمراته.
وفي حديث إلى «الأخبار»، قال المتحدث الرسمي باسم «حزب التحرير»، رضا بلحاج، إنّ «قرار منع الندوة الصحافية قرار سياسي. وهو بداية التضييق على حزب متحصل (حاصل) على تأشيرة العمل القانوني»، مضيفاً أنه حتى الحديث عن اتجاه الحكومة لسحب الترخيص لن يكون لعدم قانونيته. وتابع قائلاً: «إن كان القرار (سحب الترخيص) سياسياً، سيكون هناك حديث آخر».
وفي حديث صحافي، علّق بلحاج على دعوة السبسي لرئيس الحكومة التونسية بمراجعة قانون الأحزاب، قائلاً إنّ «السبسي بهذه الدعوة تجاوز اختصاصاته الدستورية وليس من اختصاصه التدخل في الأحزاب وهذا من مشمولات الحكومة، الأمر الذي يجعله محل مساءلة قانونية».

إلغاء العطلة النيابية

في غضون ذلك، قرر رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، محمد الناصر، اقتراح إلغاء العطلة البرلمانية الممتدة من شهر تموز وحتى شهر تشرين الأول، وذلك بهدف التقدم أكثر في صياغة القوانين والبحث في إصلاحات قانونية لها تأثير على المجال الاقتصادي تحديداً. ومن المنتظر أيضاً التصديق على قانون الإرهاب، الذي تجاوز وجوده داخل مقر المجلس مدة عامين.
عموماً، إنّ القرارات والإجرءات التي اتُّخذت تحت وقع الصدمة، لا يمكن اعتبارها كفيلة بمواجهة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية التي وجدت موطئ قدم لها في تونس. وقد لا يمكن أيضاً القول إنها على مستوى مواجهة الضربة التي تلقتها تونس في أحد أهم قطاعاتها الحيوية (السياحة).
وبانتظار معرفة مدى قدرة الحكومة الحالية على تحمّل التعقيدات الراهنة وحلها، يرى البعض أنه قد يكون من المجدي، أيضاً، الإعداد الجدي للمؤتمر الوطني حول الإرهاب المقرر عقده في شهر أيلول المقبل، بحثاً عن الخروج باستراتيجية شاملة للتخلص من آفة التشدد الديني التي اجتاحت تونس بعد «ثورة 14 يناير».